د. حسين علي غالب بابان
مواقع الإنترنت كثيرة جدا، لكنني أركز هنا على الإعلامية منها والتي تُصدر باللغة العربية لأن تجربتي معهم تجاوزت أكثر من عقدين.
أتذكر عندما بدأتُ أرسل ما أكتبه إلى أول موقع تعرّفت عليه، وكان موقعًا عراقيًا مختصًا بنشر المواضيع السياسية الساخنة في أواخر التسعينات، ومن هنا بدأت والغريب بالأمر أنه ما زال موجودًا حتى يومنا هذا وما زلت أكتب فيه ولي فيه أرشيف ضخم، ولا تزال لي علاقة حب واحترام مع صاحبه الذي كان معارضًا سياسيًا ويعيش في المنفى منذ وقت طويل.
كان تصميم الموقع لكي أكون منصفًا «مضحكًا» للغاية مقارنة بالمواقع التي أراها حاليًا، وكان بطيئًا جدًا بسرعة «السلحفاة»، حيث كنت انتظر عدة دقائق حتى انتقل من الصفحة الرئيسة إلى بقية الصفحات، وعندما أرسل له موضوعًا ما كنت انتظر عدة أيام حتى يُنشر، ومع هذا كنت من المحظوظين ومن ضحك لهم القدر لأن ما أكتبه قد ظهر في هذا الموقع.
كان صاحب الموقع يتلقى عبر بريده الإلكتروني عشرات رسائل التهديد يوميًا، والهدف منها إيقافه عن العمل ولو قليلًا، ومع ذلك لم يكن مهتمًا إلا بإيصال محتوى إعلامي رصين لمتابعي موقعه في ذلك الوقت العصيب، لأن في وقتها من كان معارضا للنظام العراقي كان يبقى منسيا في السجن لسنوات طويلة أو يتم الحكم عليه بالإعدام.
نعم تغيّر الحال مع الطفرة التكنولوجية وانخفضت تكلفة تصميم واستضافة المواقع، ومنذ فترة تواصلت مع شركة مختصة بهذا المجال، فعرضوا عليّ موقعًا كاملًا مع تصميم ومشاركة في إدارته بمبلغ مائة دولار سنويًا فقط لا غير، لكن هناك مشاكل يجهلها الكثيرون لا يعرفها إلا من دخل في تفاصيل هذا المجال، وحقًا كان الله في عونهم لأنني شاهد على أدق التفاصيل لما يمرّون به.
أحد أصحاب المواقع المغربية يذكر لي بأنه تعب من ملاحقة هذا الموقع أو ذاك، فكل ما يُنشر على موقعه الذي يشرف عليه يصبح بين ليلة وضحاها «مباحًا» لكل من «هبّ ودبّ»، وقد بات يعرف من يسرق المحتوى وقد تواصل معهم، ولم يصل إلى أي نتيجة تُذكر لإيقافهم عن هذه الفعلة الشنيعة، أما الملاحقة القانونية فسوف تصب في صالحه لأنه صاحب الحق، لكنه لا يملك التكلفة المادية فالمتابعة القانونية تكلف مبالغ فلكية كما أخبرني، ولهذا اكتفي بالصمت ورفع راية الاستسلام عاليًا.
صديق إعلامي أردني نجح في موقع إخباري قام بتأسيسه بمبالغ رمزية وجهود فردية منه، اتصل بي مشكورًا بعد أيام من افتتاح موقعه يطلب مني أن أعطيه مقالًا أو موضوعًا أو أي شيء أكتبه حتى ينشره، فهو يحتاج إلى أسماء متداولة عبر الإنترنت، لكن رغم نجاح الموقع وكثرة متابعيه وزواره، إلا أن أرباحه المادية من خلال الإعلانات كانت قليلة، فاضطر إلى بيعه إلى أول مشترٍ عرض عليه شراءه، ومنذ بيعه توقف الموقع ولا أعرف السبب، وكذلك اختفى صديقي، لأكتشف بعد عدة سنوات أنه يعيش في كندا وقد ترك العمل الإعلامي نهائيًا، وقد وجدني لاحقًا عبر التواصل معي من خلال صفحتي على موقع «فيسبوك».
تجربة ممتعة عشتها مع المواقع الإعلامية وما زلت أعيشها، فقد نُشر لي في أكثر من مائة موقع، والسواد الأعظم من هذه المواقع تلاشى إلى الأبد للأسف الشديد، والبقية يعانون من أجل البقاء لأن العمل الإعلامي ليس سهلًا كما يتخيل الكثيرون، خصوصًا في أوطاننا التي تعيش دائمًا أحداثًا مضطربة وغير طبيعية، والإعلاميون بشر لديهم احتياجات يجب أن تتوافر لهم أهمها الدعم المعنوي والمادي.