رائد محمد آل شهاب
شعائر الحج وأعماله السنوية، هو منظر مهيب لاتحاد المسلمين في مكان ووقت واحد. وهذا جزء بسيط جداً من أعداد المسلمين التي وفقت لأداء الركن الخامس من أركان الإسلام هذا العام. الدين الإسلامي دين عظيم وشرفه الله بخصائص فريدة جعلته خاتم الأديان وأكملها.
نلاحظ أن التقارب البشري في الأعمال، حدث بل يحدث كل يوم، من دون اللجوء الى تفسيرات ومعاجم والاستعانة الى محاضرات من ذوي الاختصاص والمعرفة. فريضة الصلاة إذا كان أداؤها بعيداً عن المسجد فقد حدث تقارب روحي ممتدة إلى خمس مرات باليوم بالإضافة إلى الأدعية. وأما إذا كان أداؤها بالمسجد، فقد حدث تقاربان روحي وبشري مع المصلين سواء ذكر أو أنثي. بالتأكيد، يختلف مدى التقارب على حسب أداء العمل، وصلة لقاء البشر بعضهم مع بعض.
وهذا ينطبق على فريضتي الصيام والحج أيضاً، واللتين يتم فرضهما على الجميع دون استثناء وبوقت معلوم ومحدد. وينظر لهما من قبل الأديان الأخرى بأنهما أعمال مهيبة وكبيرة، البعض منهم يحسدنا على هذه الأعمال المنسقة تنسيقا دقيقا. والبعض الآخر قد يقول: هذا العدد الكبير خرج فقط لأداء الحج، ماذا لو خرج جميع المسلمين في عملية اتحاد كبيره؟! عددهم بالمليارات، سيقف العالم على إصبع واحدة، يلفظ أنفاسه من عظمة هذا الدين.
كل ما ذكرته سلفاً، يدعى بتقارب بشري في الأعمال، ويراه الجميع في مجالات متعددة بالحياة، ولكن التقارب العقلي قد يكون مختلفا، وقد يولد فجوه متفاوتة حتى على مستوى العائلة الصغيرة.
هناك نظرية جميلة جداً قرأتها من كتاب، تعود للكاتب نفسه، وهي أن الإنسان كائن تلقائي. يتابع: لا يولد الإنسان بعقل جاهز وإنما يولد الإنسان بقابليات فارغة، غير متشكلة، مفتوحة، ومتعطشة، ومرنة، وتتفاوت من شخص إلى آخر قابليات مطواعة للتشكل بمن يسبق إليها من أي نسق ثقافي، مهما كان نوع، واتجاه، ومحتوى هذا الأسبق.
هذا التشكل التلقائي يجعل العقل الإنساني صناعة تلقائية كما تقيم كل ثقافة حولها الحصون والمتاريس لتحمي نفسها، وتعزز أنساقها السائدة، وتحافظ على واقعها كما هو، بغض النظر عن صحته أو خطأه أن التعود من خصائص الإنسان، ولا يشعر بهذا التعود، ولا ينكر العقل ما اعتاده، ولا يرى نقصاً أو خللاً فيه ظاناً أنه اكتسبه بذاته وبجهده، والحقيقة أنه تشربه تلقائياً بلا نقد أو تحقق.
كما أثبت علم دراسة فسيولوجية ووظائف الدماغ، أن الأنساق التأسيسية وما يتطبع به الفرد تلقائياً، وما يعتاد عليه اعتياداً، وما يكرر فعله، كل هذا يغلف داخل دماغ الإنسان بمادة كيميائية عازلة تدعى Myelin ويزداد هذا التغليف الانتقائي العازل بمقدار التكرار والتعود والرسوخ، ومهمة التغليف العازل لهذه المعلومات إخفاؤها عن رقابة الوعي، لتصبح تلقائية.
إن العلم الدقيق ليس إضافة وتكديساً للمعلومات في جهة حددت سلفاً، بل العلم طريقة تفكير وتصور، وطريقة للتحقق والتعامل الموضوعي، وبلورة رؤية الإنسان والمجتمع والكون والمستقبل، ونقد وتغيير لتصورات بإحلال التصورات التي تحققنا منها علمياً مكان التصورات الخاطئة التي تشربنها تلقائياً بلا نقد وتحقق. لذا نجد أن الصور الشكلية والتلقينية في التعليم النظامي حول كثير من الدول منخفضة الفائدة لأنها تكرس التناسخ الثقافي، وحتى من يدعي تعليم الناس وبرمجتهم في كل ثقافة هو في حقيقته مبرمج مثلهم.
إن انعتاق الإنسان من تشكل عقله التلقائي ليس سهلاً، بل يحتاج إلى استفزاز شديد جداً وجهد غير عادي. لا يأتي الانعتاق والإفاقة من أسر الثقافة التلقائية اختباراً، بل هو نتيجة صعبة لحصار الأسئلة الدافع للشك والنقد والبحث والمراجعة والتحقق المنضبط بالمعايير العلمية. لا يستطيع 99 % من الناس أن يتحققوا من تلقائيتهم بأنفسهم.
انكسار تلقائية الفرد هو قدر لا اختيار له فيه، ولم يخطط له الفرد. ويحتاج العقل لمن يتحداه ويستفزه لكي يتحرك وينمو، ولا يفيد العقل ممن يحميه لأنه يقيده ويعطله.
إن اختلاف تاريخ الأمم مصدر لاختلاف عقليات الأمم، وبهذه الاختلافات تتشكل أنساق ثقافية إنسانية تلقائية عديدة، متباينة ومتنوعة، وهكذا تتباعد الأمم بمقدار الفروق بين الأنساق الثقافية، والتي تتكون وتتشكل وتتراكم تلقائياً بلا فحص أو نقد أو مراجعة.
وإذا لم تمر هذه الأنساق الأممية التلقائية بتصحيح حقيقي فمآلها مهما امتدت القرون أن تستنسخ وتستمر كما هي في المراحل التالية لتكوينها، وتتوارث، وتعمق مجراها، إلا إذا حدث تصحيح حقيقي ينتج قطعية معرفية، تقهر النسق السائد.
هذا يبقي الشعوب بلا استثناء مرتهنة لأنساقها وكياناتها الثقافية المتوارثة. فعلى سبيل المثال الشعب اليوناني: مصدر ومضة الضياء الفكرية اليونانية هو بضعة أفراد استثنائيين فقط، ولم يكن الشعب كله، فلقد طارد الشعب اليوناني مفكريه، وأعدموا سقراط بحجة أن أفكاره مفسدة للشباب.
ختاماً، من المهم جداً أن نتأمل بعمق مقولة الدكتور هنري ماركرام «رئيس المشروع الأوروبي للدماغ البشري» يقول: أعتقد بإخلاص أنه لو فهم العالم كيف يعمل الدماغ، فسوف تحل النزاعات في كل مكان.
المصادر:
كتاب ورقي - الأستاذ. إبراهيم البليهي - مفكر ووطني، 18 من أعلام الوطن - منتدى الثلاثاء الثقافي.