صبحي شبانة
في عالم السياسة لا تُقاس الأحداث بما تبدو عليه فقط، بل بما تحمله من رسائل وما تطرحه من احتمالات، ولهذا لم يكن استهداف مواقع حيوية في الكويت والبحرين مجرد حادث أمني عابر يمكن وضعه في إطار الردود العسكرية التقليدية، بل جاء كحلقة جديدة في صراع إقليمي ودولي تتجاوز أبعاده حدود الدول المستهدفة لتطال مجمل المنظومة الأمنية والإستراتيجية في منطقتي الخليج والشرق الأوسط، فحين تختار إيران أن توسع دائرة عملياتها نحو دول خليجية ظلت طوال السنوات الماضية تحاول تجنب الانخراط المباشر في الصراعات الإقليمية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه لا يتعلق فقط بما حدث، بل بما تريد طهران أن تقوله من خلال ما يحدث.
فالمنطقة تعيش اليوم واحدة من أكثر مراحلها حساسية وتعقيدا منذ عقود، فمنذ سنوات طويلة لم تتقاطع الأزمات الإقليمية والدولية بهذا الشكل المعقد، الحرب في أوكرانيا ما زالت تلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي، والمنافسة بين الولايات المتحدة والصين تتسع في مختلف المجالات، والشرق الأوسط يشهد إعادة تشكيل متواصلة لموازين القوى والتحالفات، وفي قلب هذا المشهد تجد إيران نفسها أمام تحديات متراكمة تشمل الضغوط الاقتصادية والعقوبات الدولية والتوترات الأمنية والصراعات المفتوحة مع خصومها الإقليميين والدوليين.
وسط هذه البيئة المضطربة، تدرك طهران أن معركتها الحقيقية ليست مع الكويت أو البحرين أو أي دولة خليجية بعينها، فالعلاقات بين إيران ودول الخليج مرت خلال العقود الماضية بمراحل من التوتر والانفراج، لكنها لم تصل في أغلب الأحيان إلى مستوى المواجهة الشاملة المباشرة، كما أن المصالح الاقتصادية والجغرافية والتاريخية تفرض على جميع الأطراف قدراً من التعايش مهما بلغت حدة الخلافات السياسية، ولذلك فإن القراءة الأكثر واقعية تشير إلى أن الرسالة الإيرانية كانت موجهة إلى أطراف أخرى، وأن دول الخليج وجدت نفسها في قلب هذه الرسائل بحكم موقعها الجغرافي والإستراتيجي.
لطالما نظرت إيران إلى الوجود العسكري الأمريكي في الخليج باعتباره أحد أكبر مصادر التهديد لأمنها القومي، فمنذ عقود تنتشر القواعد والمنشآت العسكرية الأمريكية في عدد من دول المنطقة، وتشكل هذه القواعد جزءاً أساسياً من الإستراتيجية الأمريكية الرامية إلى حماية المصالح الغربية وضمان أمن الممرات البحرية ومواجهة التهديدات الإقليمية المختلفة، وفي المقابل ترى طهران أن هذا الوجود العسكري يمثل طوقاً استراتيجياً يحيط بها ويحد من قدرتها على الحركة ويجعلها عرضة للضغوط في أي لحظة، ومن هنا يمكن فهم جانب مهم من دوافع التصعيد الإيراني، فطهران تريد أن تؤكد أن أي مواجهة معها لن تبقى محصورة داخل حدودها، وأن القواعد والمنشآت التي تستخدمها القوى المعادية لها يمكن أن تتحول إلى جزء من ساحة الصراع. إنها محاولة واضحة لتوسيع مفهوم الردع بحيث لا يقتصر على حماية الأراضي الإيرانية، بل يشمل تهديد المصالح والمنشآت المرتبطة بخصومها أينما وجدت داخل الإقليم.
وفي الحقيقة فإن هذا النهج ليس جديداً في الفكر الاستراتيجي الإيراني، فمنذ سنوات طويلة تعمل إيران على بناء منظومة ردع متعددة المستويات تعتمد على الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة وشبكات النفوذ الإقليمي والقدرات البحرية غير التقليدية، والهدف من ذلك لم يكن تحقيق تفوق عسكري مباشر على القوى الكبرى، وإنما رفع تكلفة أي مواجهة محتملة إلى الحد الذي يجعل الخصوم يعيدون التفكير مراراً قبل الإقدام على أي عمل عسكري واسع ضدها.
ففي عالم اليوم لم تعد القوة تُقاس فقط بعدد الطائرات والدبابات والسفن الحربية، بل بقدرة الدولة على إقناع خصومها بأن كلفة مهاجمتها ستكون أعلى من المكاسب المتوقعة، وهذا ما تحاول إيران ترسيخه منذ سنوات، حيث تسعى إلى خلق معادلة مفادها أن أي استهداف لها سيقابله اتساع في دائرة المخاطر لتشمل القواعد العسكرية والممرات البحرية والبنية التحتية الحيوية ومصالح الدول المنخرطة في الصراع، لكن البعد العسكري ليس سوى جزء من الصورة، فثمة أبعاد سياسية لا تقل أهمية، فإيران تدرك أن الصراعات الحديثة لا تُحسم في الميدان فقط، بل على طاولات التفاوض أيضاً، ومن هذا المنطلق فإن كل خطوة تصعيدية تحمل في طياتها رسالة سياسية موازية، فعندما تظهر طهران قدرتها على التأثير في أمن المنطقة واستقرارها فإنها تسعى في الوقت نفسه إلى تحسين موقعها التفاوضي وإثبات أنها ما زالت رقماً صعباً في معادلات الشرق الأوسط.
لقد أثبتت تجارب العقود الماضية أن تجاهل القوى الإقليمية الكبرى لا يؤدي إلى الاستقرار، بل إلى مزيد من التوتر، وإيران تعلم أن خصومها يدركون هذه الحقيقة، ولذلك فإن جزءاً من الرسالة الحالية يتمثل في التأكيد على أن أي ترتيبات أمنية أو سياسية تخص مستقبل المنطقة لا يمكن أن تنجح إذا جرى استبعادها أو التعامل معها باعتبارها مجرد مشكلة أمنية يجب احتواؤها، كما أن هناك بعداً آخر يتعلق بالدول الخليجية نفسها، فإيران تسعى منذ سنوات إلى التأثير في الحسابات الإستراتيجية لجيرانها الخليجيين، وهي تدرك أن هذه الدول ترتبط بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة والغرب، لكنها تدرك أيضاً أن أولويات دول الخليج تغيرت خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبحت التنمية الاقتصادية والتحول التنموي وجذب الاستثمارات العالمية تمثل أهدافاً استراتيجية تتطلب بيئة مستقرة وآمنة.
ومن هنا تحاول طهران أن تذكر هذه الدول بأن أي تصعيد ضدها ستكون له تداعيات مباشرة على أمن المنطقة واستقرارها الاقتصادي، وبعبارة أخرى فإن الرسالة الإيرانية لا تستهدف واشنطن وحدها، بل تستهدف أيضاً العواصم الخليجية عبر دفعها إلى التفكير في كلفة الانخراط في أي ترتيبات أمنية قد تُفسر إيران أنها موجهة ضدها، ولا يمكن تجاهل العامل الداخلي في فهم هذه التطورات، فكلما ازدادت الضغوط الخارجية على أي دولة، ازدادت حاجتها إلى تعزيز التماسك الداخلي وإظهار القدرة على الصمود، وإيران ليست استثناءً من هذه القاعدة، فالقيادة الإيرانية تدرك أن جمهورها الداخلي يتابع باهتمام بالغ كيفية تعامل الدولة مع التحديات المحيطة بها، ولذلك فإن إظهار القدرة على الرد وتوجيه الرسائل العسكرية يحمل بعداً نفسياً وسياسياً مهماً في الداخل الإيراني.
فالدول لا تخوض معاركها في الخارج فقط، بل تخوض أيضاً معركة الحفاظ على الثقة الداخلية، وفي أوقات الأزمات تصبح صورة الدولة القوية والقادرة على الرد جزءاً من أدوات إدارة الرأي العام وتعزيز الشرعية السياسية، ولهذا فإن بعض الرسائل التي تبدو موجهة للخارج تكون في الواقع موجهة للداخل بالقدر نفسه.
غير أن ما يمنح هذه التطورات خطورتها الحقيقية هو ارتباطها بمنطقة تمثل قلب الاقتصاد العالمي، فالخليج العربي ليس مجرد مسرح للصراعات السياسية والعسكرية، بل أحد أهم المراكز الاستراتيجية للطاقة والتجارة الدولية، ويمر عبر مياهه ومضايقه جزء كبير من صادرات النفط والغاز العالمية، كما تعتمد عليه اقتصادات كبرى في تأمين احتياجاتها من الطاقة.
ولذلك فإن أي اضطراب أمني في الخليج لا يبقى محصوراً داخل حدود المنطقة، بل يمتد تأثيره إلى الأسواق العالمية وأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد وحركة التجارة الدولية، وقد أثبتت التجارب السابقة أن مجرد التلويح بتهديد أمن الملاحة في الخليج يكفي لإثارة القلق في الأسواق العالمية وإحداث تقلبات اقتصادية واسعة، وهنا تحديداً تكمن إحدى أهم أوراق القوة الإيرانية، فطهران تدرك أن موقعها الجغرافي يمنحها قدرة استثنائية على التأثير في أحد أهم الشرايين الاقتصادية في العالم، كما تدرك أن القوى الكبرى لا تنظر إلى الخليج فقط من زاوية الأمن الإقليمي، بل باعتباره قضية تمس الاستقرار الاقتصادي العالمي بأسره.
ورغم ذلك فإن المشهد لا يزال مفتوحاً على أكثر من احتمال، فمن ناحية تبدو جميع الأطراف حريصة على تجنب الحرب الشاملة، لأن أحداً لا يملك ترف تحمل كلفتها السياسية والاقتصادية والعسكرية، ومن ناحية أخرى فإن استمرار الضغوط المتبادلة وغياب الثقة وارتفاع منسوب التوتر يجعل احتمالات الخطأ في الحسابات قائمة دائماً، والتاريخ مليء بالأمثلة على صراعات بدأت برسائل ردع وانتهت بحروب لم يكن أحد يرغب فيها، فحين ترتفع وتيرة التصعيد وتتعدد الرسائل المتبادلة يصبح احتمال سوء الفهم أو التقدير أكبر، وهو ما يجعل المنطقة أمام اختبار دقيق بين منطق الردع ومنطق الانزلاق إلى المواجهة.
وفي النهاية، فإن ما وراء استهداف الكويت والبحرين لا يمكن اختزاله في عملية عسكرية أو رد فعل آني، إنه جزء من صراع أوسع على النفوذ والمكانة والقدرة على التأثير في مستقبل المنطقة، كما أنه يعكس إدراك إيران أن معركة القرن الحادي والعشرين لا تدور فقط حول الحدود والجيوش، بل حول القدرة على فرض الحضور في معادلات الأمن والطاقة والاقتصاد والسياسة.
ويبقى السؤال الأهم: هل تنجح الأطراف المختلفة في تحويل هذه الرسائل المتبادلة إلى فرصة لإعادة بناء التوازن والاستقرار، أم أن المنطقة تتجه نحو مرحلة جديدة من التصعيد قد تجعل الخليج كله يدفع ثمن صراعات تتجاوز حدوده؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ليس فقط مستقبل العلاقة بين إيران وجيرانها الخليجيين، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأكمله خلال السنوات القادمة.