د. جمال الراوي
الشخصيّة المثاليّة لها محدّدات وميّزات تجعلها تنال العلامة الكاملة، بناءً على تصرّفاتها وسلوكاتها، وأهمّ صِفة وميّزة في هذه الشخصيّة هي قدرتها على ضبط نفسها والتغلّب على جموح أهوائها وشهواتها، مع استطاعتها التحكّم في ردود أفعالها، والحرص على تجنّب الإساءة للناس ولنفسها، واختيارها المنهج الصحيح والصالح في حياتها.
وهذه الشخصيّة تضبط نفسها في حالات الغضب، وعند حدوث فوضى أو تدافع بين الناس في الأفكار؛ فتجدها عند سعي الآخرين الحثيث للمصالح تلجأ –دائمًا– إلى الهدوء والركون إلى عقلها، تستدعيه ليتولّى قيادة نفسها بعد أن تُلجم عواطفها، وتُغلق عليها أبوابًا متينة لا ينفذ منها أيّ هوى.
كما أنّها شخصيّة ثابتة وراسخة، لا تستطيع الهموم ولا الظروف ولا المصائب أن تنال منها؛ تبقى صامدة واثقة من نفسها، تقف على قدميها بثبات، ولا يهمّها سقوط النفوس في وهدة الضلال والانحراف، لأنّها لا تخوض مع الخائضين أثناء الفتن والاضطرابات، ولا تنجرف مع موجات التهوّر والانفعال.
والشخصيّة المثاليّة متواضعة رغم علوّ شأنها وارتفاع مقامها، ولا تجعل من المنصب أو النسب أو المال وسيلتها للغرور والتبجّح والتكبّر على عباد الله. وهي كريمة، سخيّة، معطاءة، تبذل ما عندها من مالٍ وخُلُق، ولا تتوانى عن تقديمهما بأريحيّة وسماحة، ولا تتفضّل بهما على أحد، وإنّما تعدّ ذلك واجبًا ووظيفة أخلاقيّة لرفع القيم بين الناس.
ودائمًا يكون عطاؤها من دون حدود، فلا تعترف بالموانع والظروف، لأنّها مؤمنة بقدر الله تعالى، واثقة من كرمه، لذا تبذل ما عندها دون تقتير أو بخل أو شحّ، وهي حريصة على أداء دورها كاملًا في الحياة، سواء أكانت في بيتها، أو في عملها، أو في مجتمعها.
والشخصيّة المثاليّة تعرف ما يعنيه الوقت، فتحسب حسابًا لكلّ لحظة من عُمرها، فلا تضيّعه في لهوٍ أو عبثٍ أو إفسادٍ في الأرض، لأنّها تؤمن بأنّها تكتب مسيرة حياتها في دفتر تحرص كلّ الحرص على أن تُسطّر صفحاته بإتقان، فلا تدع لكلمة شاذّة أو فعلٍ مبتذل أنْ يجد له مكانًا بين سطوره، وترفض أن يُسجَّل فيه إلّا ما كان نافعًا لها ولغيرها.
وهي شخصيّة حكيمة نقيّة، تسعى أن يكون الطهر والعفاف عنوانًا لحياتها، ولا تقبل أن تضع لنفسها عنوانًا خارج الأخلاق الحميدة، لأنّها تدرك أنّ القيم ليست ترفًا أخلاقيًّا، بل هي جوهر البقاء الإنسانيّ ومعناه العميق.
والشخصيّة المثاليّة تملك صفة باهرة، وهي الحياء والاحتشام، تجعل من العفّة والتهذيب مَعلمًا في سلوكها؛ فلا تُغضب أحدًا، ولا تتدخّل في شؤون أحد، ولا تتجاوز على مصالح أحد، ولا تأخذ حقّ غيرها. تمضي في طريقها محتشمة خجولة، لا ترفع عينيها إلى ما عند الآخرين من مال أو جاه أو منصب، ولا تعتدي على أعراض الناس، بل تغضّ بصرها وتمشي في دروب الحياة على استحياء ووقار وسكينة.
فتراها قليلة الكلام، رصينة العبارات، لأنّها تُلبس كلماتها لبوس الحصافة والرزانة، وتزن الحروف قبل أن تُطلقها، إدراكًا منها بأنّ الكلمة مسؤولية، وأنّ اللسان قد يبني كما قد يهدم.
والشخصيّة المثاليّة فَطِنة حاضرة الذهن، لا يفوتها شيء، وهي محصّنة لا ينفذ إلى داخلها سوى المكارم والمناقب والمحامد والمآثر، ولا تقبل إلّا بالأفكار المجيدة والأخلاق العالية، وتقاوم بشدّة أن تكون شريكة في ظلمٍ أو إجحاف. ترفض التسلّط والتعسّف، لأنّها تعرف أنّ للآخرين حصانة وكرامة لا يجوز الاعتداء عليها أو تجاوزها، ولا تنظر إليهم بفوقيّة أو استعلاء، بل تحرص كلّ الحرص على تأدية واجباتها تجاههم، حتى إنْ قصّروا في حقّها أو اعتدوا عليها واغتصبوا بعض حقوقها.
ومع ذلك، فهي لا ترتضي أبدًا الاعتداء على حقوق الله تعالى، لأنّها تعدّها حقوقًا غير قابلة للتعديل أو التبديل، ولا تقبل أن تكون منقوصة أو مهدورة، إذ ترى في حفظها ميزان الاستقامة الحقيقي، والحدّ الفاصل بين التساهل المشروع والتفريط المذموم.
والشخصيّة المثاليّة جميلة المظهر، سمحة الخُلُق، لها إطلالة مميّزة هادئة لا صخب فيها، وهي نظيفة البدن، خالية من الأدران والأوساخ، لا تتكلّف في لباسها، تختار منه الرخيص الأنيق، الساتر لعورتها، ولا تجعله وسيلتها للتمايز أو البروز بين الناس، لأنّها تعتبره مجرّد غطاء خارجي، لا معيار قيمة ولا دليل فضل.
وهي لا تُسرف في التأنّق، ولا تصرف الأموال الطائلة على المظاهر، ولا تقبل أن يكون اللباس هويّتها بين الناس، لأنّها تؤمن بأنّ للنفس لباسًا آخر، يظهر من خلال السلوك والأفعال، وأنّ الزينة الحقيقيّة هي زينة الخُلُق لا زينة القماش.
والشخصيّة المثاليّة قويّة وراسخة، تستعمل كلّ ما أُوتيت من طاقة لتبذلها في سبيل الخير والعطاء، فلا تدع جزئيّة من قوّتها الخفيّة التي وهبها الله عز وجل إلّا وتستدعيها وتصرِفها في مسيرة حياتها، ولا تدّخر منها شيئًا. ولذلك تجد إرادتها قد تفوّقت على جسدها، وقد يعجز البدن أحيانًا عن اللحاق بمتطلّباتها.
لكنّها تمضي غير مبالية بما أصاب الجسد من تعب أو ضنك، لأنّها تريد التفوّق عليه، ولا تريد أن يكون قيادها بين يديه. ترفض كلّ دعواته إلى الاستسلام للشهوات والرغبات والغرائز، وتجعل منه مطيّة للأعمال النبيلة والساميّة، لا سيّدًا يأمرها ولا حاكمًا يقودها.
والشخصيّة المثاليّة متفوّقة في مجالات الحياة، متقدّمة على غيرها، لا تدع أحدًا يسبقها إلى الفضائل أو العلوم أو الأخلاق، لأنّها تعرف كيف تسير، وأيّ الطرق ينبغي أن تسلك. تحمل معها مشعلًا يضيء دربها، فتتجنّب العثرات والهفوات، وإنْ كبَت أو أخطأت، سرعان ما تقف منتصبة، وقد تعلّمت من زللها، واستدركت أمرها.
فتُعيد تصحيح مسارها، وتمضي من جديد واثقة الخطى نحو هدفها، لأنّها تعلم أنّها في سباق له نهاية، وأنّ هناك من ينتظرها ليسجّل كلّ حسناتها وسيّئاتها، ويعدّ ل والشخصيّة المثاليّة مُلتزمة، حافظة لحدودها، تحترم عادات المجتمع الذي تعيش فيه وأخلاقه، فلا تتجاوزها ولا تحتقرها، وتحترم القوانين والأنظمة، ولا تحاول الالتفاف عليها أو التعدّي عليها، لأنّها تؤمن بأنّ للنّاس حقوقًا يجب صونها، لا الالتفاف حولها.
وهي لا تكتفي بالامتثال السلبي، بل قد تُسهم في وضع الأسس السليمة لفلاح مجتمعها، وتشارك في نشر القيم التي تحفظ كرامة الناس، وتسعى –بقدر استطاعتها– إلى تقليص السلبيّات، وبثّ الإيجابيّات، والعمل من أجل التغيير نحو الأفضل والأكمل والأصلح.
والشخصيّة المثاليّة تعرف التمييز الدقيق بين الحقّ والباطل، ولا تخلط بينهما، ولا تميع الحدود الفاصلة بينهما بحجج الواقعيّة أو ضغط الواقع. وهي تمتلك من الجرأة والشجاعة ما يكفي للتعريف بالحقّ، والدعوة إليه، والدفاع عنه بإخلاص وتفانٍ، دون صخبٍ أو ادّعاء بطولة. وفي الوقت ذاته، تحرص على فضح الباطل، لا تشهيرًا بالأشخاص، بل تحذيرًا من الفكرة، وإبعادًا للناس عن مواطن الانحراف والضلال.
وهي وفيّة لنفسها، وفيّة للمبادئ التي تحملها، فلا تقبل بالنفاق، ولا الخداع، ولا المخاتلة، ولا الغشّ، ولا الكذب، وهي صريحة واضحة، تتحدّث وتعمل دون رياءٍ أو التواء، لأنّها تدرك أنّ الصفاء الداخلي لا يحتمل الأقنعة.
والشخصيّة المثاليّة تختار من الأمور أيسرها وأوسطها، فلا تتكلّف ولا تتصنّع، ولا تُظهر ما يُخالف باطنها، تكشف للنّاس عن طبيعتها دون مواربة، وتدعهم يرون قلبها كما يرون وجهها. لا تتملّق، ولا تراوغ، ولا تتحذلق، ولا تتقعّر في كلامها أو تصرّفاتها، لأنّها بسيطة، حليمة، رزينة، وتعي أنّ للمظاهر الخادعة عمرًا قصيرًا، وأنّ الناس –مهما خُدعوا– يمتلكون حدسًا يميّز الصادق من الزائف.
وقبل ذلك كلّه، تعرف أنّ عليها رقيبًا وحسيبًا لا تخفى عليه السرائر، فتستحيي منه قبل أنْ تستحيي من الناس.
والشخصيّة المثاليّة تُدرك أنّ الحياة لا تنتهي بموتها، بل تمتدّ إلى أفقٍ آخر، هو غايتها ومبتغاها. وهي تعلم أنّ الإنسان روحٌ وجسد، وقد تُهمل الجسد أحيانًا، لكنّها لا تُهمل الروح أبدًا، بل تسعى لتهذيبها، وتغذيتها بالأخلاق الساميّة، حتى تسمو بها فوق ضيق الدنيا، وترتقي بها إلى سعة الآخرة.
وهي تنتظر –بيقينٍ لا قلق فيه– أنْ ترسو هذه الروح عند ذلك المرفأ الأمين، حيث تنعتق من عبوديّة الشهوات والرغائب، وتدخل في سكينة الخلود.
والشخصيّة المثاليّة تُدرك أنّ لها قدرًا محتومًا في حياتها، فلا تحاول تغييره ولا التمرّد عليه، بل تتقبّله برضى، وتعيش في ظلال الرحمة الإلهيّة، فتطمئن نفسها، وتهدأ روحها، ولا تعود تركض خلف وهم السيطرة المطلقة.
وهي لا تضعف ولا تخور، لأنّها تستمدّ قوّتها من مصدرٍ أعلى، فتمضي شامخة، لا تقبل الخضوع لعبدٍ مثلها، ولا ترضى بهذا الضيق الدنيوي الذي يختنق فيه كثير من الناس، بل تُحلّق في أفقٍ أوسع، تؤمن فيه بأنّ العدل الكامل ليس هنا، بل هناك… حيث الميزان الربّاني الدقيق.
والشخصيّة المثاليّة تؤمن بأنّ هذا الكون يسير بنظامٍ محكم، لا عبث فيه ولا فوضى، وأنّ لكلّ شيء مساره، ولكلّ نهاية أجلها. تعرف أنّ موتها حقّ، وأنّ أجلها لا يتقدّم ولا يتأخّر، فتعيش مطمئنّة، وقد سلّمت مصيرها لله، فلا تجادل ولا تعترض.
وتعلم أنّ رزقها بيد خالقها، فلا تُرهق نفسها بالقلق عليه، ولا تحسد غيرها على ما أُوتي، وتسعى لرزقها سعيًا كريمًا، دون تواكل ولا جشع، مؤمنة بأنّ أبواب الرزق لا تُفتح إلّا بمفاتيح الطاعة.
وأخيرًا، تعرف الشخصيّة المثاليّة أنّ الله جل وعلا جعل لها قدوةً بشريّة كاملة، وصفها بقوله:
(وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم:4]، وأنّ الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ليس ترفًا أخلاقيًّا، بل طريق النجاة والكمال الإنساني، فمن أراد شخصيّة متّزنة، سامية، عادلة، رحيمة، قويّة بلا قسوة، وحازمة بلا ظلم... فلينظر إلى هذا النموذج الفريد.
الشخصيّة المثاليّة ليست كائنًا ملائكيًّا، ولا إنسانًا معصومًا من الخطأ، بل هي نفسٌ واعية، تعرف ضعفها، ولا تستسلم له، وتُدرك قصورها، ولا تُبرّره. هي رحلة مستمرّة، لا حالة مكتملة، ومسار طويل، لا محطة وصول.
وما المثاليّة في حقيقتها إلّا صدقًا مع النفس، وعدلًا مع الآخرين، واتصالًا حيًّا بالله… فمن جمع هذه الثلاثة، فقد اقترب، ومن اقترب، فقد نجا.
ليس المطلوب أنْ نكون كاملين، بل أنْ نكون صادقين في سعينا، متواضعين في فهمنا، رحماء في أحكامنا، ثابتين في قيمنا.
فإذا اختلّ العالم من حولنا، بقي الإنسان المثالي واقفًا.. لا لأنّه أقوى، بل لأنّه أصدق. وذلك – في النهاية – هو أعظم أشكال القوّة.