د. سجى عارف
في الوقت الذي تتجه فيه بعض الجهات إلى إنشاء مراكز تدريب إعلامية جديدة بتكاليف عالية، تقف المؤسسات الصحفية السعودية بتاريخها العريق وخبرتها الممتدة بوصفها أكبر مراكز تدريب جاهزة فعليًا وعلى أرض الواقع.
هذه المؤسسات صنعت أجيالًا من الصحفيين ونحن منهم، ورافقت التحولات الوطنية لعقود وكانت شاهدًا عليها وأرشيفًا موثقًا لها.
وتمتلك المؤسسات الصحفية ما لا يمكن لأي مركز جديد أن يقدمه: خبرة حقيقية، وبيئة مهنية، وذاكرة إعلامية، وشبكات علاقات واسعة، ومع ذلك تترك خارج معادلة التدريب، بينما تُنشأ مراكز جديدة تبدأ من الصفر، وتحتاج إلى سنوات طويلة لتكتسب ما تملكه الصحافة السعودية منذ عقود.
وهنا يبرز سؤال جوهري، لماذا لا نستثمر في المؤسسات الصحفية بدلًا من إنشاء مراكز تدريب جديدة؟ فهي مراكز تدريب جاهزة تنتظر التفعيل، هي ليست مجرد منصات نشر بل هي غرف أخبار تعمل يوميًا، وصحفيون محترفون مارسوا المهنة في الميدان، وأرشيف ضخم يُمثل ذاكرة الوطن وخبرة تراكمية لا تُشترى بأي ثمن، وهي بيئة عملية لا يمكن محاكاتها في أي مركز تدريبي، هذه العناصر تجعل المؤسسات الصحفية أفضل بيئة تدريبية لتدريب خريجي الإعلام، وأكثر قدرة على إعدادهم لسوق العمل الحقيقي.
حين نُسند تدريب الخريجين إلى المؤسسات الصحفية فإننا نحقق هدفين في وقت واحد: أولهما دعم المؤسسات الصحفية وتطويرها من خلال توفير مصدر دخل جديد ومستدام، ورفع كفاءة غرف الأخبار، وتعزيز دور المؤسسات في التنمية الوطنية، وإعادة إحياء دورها بوصفها مدارس مهنية كما كانت دائمًا، ثانيهما: تدريب الخريجين في بيئة حقيقية لا افتراضية، عبر احتكاك مباشر مع الصحفيين المحترفين، تعلم مهارات الميدان لا مهارات القاعات، واكتساب خبرة عملية لا يمكن لأي مركز تدريبي توفيرها، وفهم واقع العمل الإعلامي كما هو، لا كما يُشرح نظريًا. وبهذا نصطاد عصفورين بحجر واحد: ندعم المؤسسات الصحفية ونمكن الخريجين.
إن التدريب داخل المؤسسات الصحفية لهو أكثر فاعلية عن غيره من المراكز لأن التدريب الإعلامي لا يُتقن في القاعات بل في غرف الأخبار والاجتماعات التحريرية، وعبر التغطيات الميدانية، وإدارة الأزمات، والتعامل مع المصادر، وصياغة المحتوى تحت الضغط، والعمل ضمن فريق متعدد التخصصات، هذه الخبرات لا يُمكن لأي مركز تدريبي جيد أن يوفرها مهما كانت تجهيزاته.
وكي تنجح فكرة التدريب يجب إعادة هيكلة المؤسسات الصحفية لتصبح مراكز تدريب وطنية لذا نحتاج إلى تطوير وحدات التدريب داخل المؤسسات، بناء شراكات رسمية مع الجامعات، اعتماد برامج تدريبية معترف بها، ودعم حكومي موجه للمؤسسات التي تلتزم بالمعايير، وتحويل غرف الأخبار إلى بيئات تعليمية تطبيقية، وربط التدريب باحتياجات سوق العمل الإعلامي الحقيقي وبالتغيرات العالمية، بهذه الخطوات تتحول المؤسسات الصحفية من كيانات تقليدية إلى مراكز تدريب وطنية لصناعة الكفاءات الإعلامية ويصبح الإعلام السعودي أكثر قوة ومواكبة للتطورات.
أخيرًا إن إنشاء مراكز تدريب جديدة ليس خطأ لكنه ليس الخيار الأكثر كفاءة، فالاستثمار في الموجود أفضل من خلق بديل جديد، والاستثمار في المؤسسات الصحفية أقل تكلفة وأسرع أثرًا، وأعمق خبرة، وأكثر ارتباطًا بسوق العمل، كما أنه يعيد للمؤسسات الصحفية والإعلامية قيمتها ودورها الوطني الطبيعي الذي تستحقه بعد تاريخها المشرف فهي المصنع الحقيقي لبناء الجيل القادم من الإعلاميين.