باسم سلامة القليطي
في خبر طريف تناقلته وسائل الإعلام مؤخراً، قرر صانع محتوى أرجنتيني خوض تجربة غريبة؛ إذ بحث في قوائم منتخبات كأس العالم 2026 عن اللاعب الأقل شهرة ومتابعة على منصات التواصل الاجتماعي. وبعد بحث طويل وجد أن اللاعب النيوزلندي «تيم باين» هو الأقل متابعة، فطلب من متابعيه أن يدعموه ويتابعوه. وخلال ساعات، تحول هذا اللاعب المغمور إلى ظاهرة رقمية، وتخطت شهرته رئيس وزراء بلاده، بل تجاوز نجوم الرغبي التاريخيين وأشهر لاعبي منتخب نيوزيلندا «كريس وود». هذه الحادثة، على ما تحمله من طرافة، تضعنا أمام حقيقة لا يمكن تجاوزها: القوة الهائلة والسطوة الرقمية التي يمتلكها صنّاع المحتوى اليوم في توجيه البوصلة العامة.
لقد اعتَدتُ في مقالات سابقة أن أنتقد التأثيرات السلبية لبعض صنّاع المحتوى، خاصة تلك التي تمس ثوابتنا الدينية أو قيمنا الاجتماعية، وهو نقدٌ في محله أمام موجات السطحية. لكن الإنصاف والمسؤولية الفكرية يحتمان علينا أن ننظر إلى النصف الممتلئ من الكأس، وأن نتحدث عن الوجه الآخر لهذه القوة؛ الوجه الإيجابي والمشرق الذي نراه يتجلى بوضوح في مجتمعنا السعودي، حيث تحولت الشاشات الصغيرة إلى أدوات حقيقية للبناء، وتفريج الكرب، وإحداث التغيير الملموس في حياة الأفراد. من أبرز الصور المشرفة التي نطالعها من وقت لآخر في الفضاء الرقمي السعودي، تلك المبادرات التي يقودها صناع محتوى أفاضل لتوثيق قصص كبار سن أو نساء مكافحات يديرون بسطات بسيطة لبيع الأطعمة والمشروبات. بمجرد نشر مقطع فيديو عفوي ومشاركة الموقع، تتحول تلك البسطات المتواضعة إلى مزارات تتكدس أمامها طوابير الزبائن. ولا يتوقف الأمر عند حدود الربح اللحظي، بل يتعداه إلى تدخل جمعيات خيرية ورجال أعمال لتأمين «عربات أطعمة حديثة ومجهزة» لهم مجانا، مما ينقل عملهم العشوائي البسيط إلى نشاط تجاري نظامي ومستدام، ينعكس إيجابا على دعم المشاريع الناشئة لأبنائنا وبناتنا.
يمتد هذا الأثر الإيجابي ليتكامل مع المنصات الوطنية الرسمية، وتحديدا في تسويق وتفريج كرب الحالات الحرجة عبر «منصة إحسان» أو «فرجت». حيث يسلط العديد من صناع المحتوى الضوء على حالات إنسانية معقدة، مثل سداد ديون سجين، أو تأمين تكاليف علاج طبي، أو بناء منزل لأسرة شديدة الحاجة. يتبنى صانع المحتوى الحالة بروح إنسانية عالية، يشرح تفاصيلها لمتابعيه ويضع الرابط المباشر للتبرع. وفي مشهد مهيب يجسد التكاتف المجتمعي الرقمي، نرى مبالغ ضخمة تصل لمئات الآلاف من الريالات تُغلق بالكامل خلال دقائق معدودة من وقت نشر «السنابة» أو التغريدة.
ولعل من الصور الملهمة كذلك تسليط الضوء على المواهب والحِرف السعودية المغمورة. هناك شباب وكبار سن يمتلكون مهارات نادرة في الفخار أو الخوص أو الأعمال اليدوية أو الميكانيكا التقليدية، لكنهم يعيشون في عزلة إعلامية بعيدا عن الأضواء. بعض صناع المحتوى المتخصصين في التوثيق والسفر باتوا يبحثون عن هذه النماذج ويقدمونها للناس بأسلوب جميل وإنساني. فجأة تتحول الورشة الصغيرة إلى قصة ملهمة، ويحصل صاحبها على دعم من جهات ثقافية أو دعوات للمشاركة في المواسم والفعاليات الكبرى، ويتضاعف دخله وشهرته. والأجمل من ذلك أن هذه المبادرات لا تدعم الأفراد فقط، بل تحفظ جزءا من الهوية الثقافية السعودية من الاندثار.
إن هذه النماذج المضيئة تؤكد لنا أن وسائل التواصل الاجتماعي ليست شرا مطلقا، بل هي أدوات طيعة تعتمد على وعي وإنسانية من يمسك بزمامها. إن تحويل الشهرة من أداة للاستعراض الأجوف إلى جسر للتمكين الاقتصادي والاجتماعي، هو النجاح الحقيقي لصانع المحتوى. ومثلما نجح «التريند» الأرجنتيني في صناعة شهرة رياضية من العدم، فإن صنّاع المحتوى في وطننا يثبتون يوميا أنهم قادرون على صناعة الأمل، وتحقيق الاستدامة، وتحويل التضامن الرقمي إلى واقع حي يغير حياة الناس نحو الأفضل.