منصور بن صالح العُمري
ثَمَّةَ آياتٌ في كتاب الله لا تُقرأ بحركة الشفاه، بل بنبض الشرايين، ولا تَعبر على السمع كالأصوات، بل تنبثق في الروح كالأقباس حين يُظلم ليل النفس وتضيق فجاج الأرض. هي بلابل القلوب المنكوبة، ومرافئ الأرواح المنهكة، إذا هطلت على الفؤاد القريح، أحس ببرد اليقين يغسل مواضع النزف الخفي التي سترها عن عيون العباد، وكأن اللطيف سبحانه يدنو من خطرات وجعه ليمسح عليها برحمته.
حين انْقَطَعَتْ بإبراهيم -عليه السلام- سبل الأرض، ولم يجد في عيون قومه إلا جمر الضغينة، لم يتلفت خلفه، ولم يستوحش قلة السالكين، بل مضى يحمل بصيرته في كفه ويمم وجهه شطر الغيب وقال: (إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ)، فلم تكن الهداية مجرد خارطة طريق، بل كانت يد الرعاية تمشي معه، وتُمهد له الوعر قبل أن تطأه قَدَمُه.
ثم تقف العين باكية أمام يعقوب -عليه السلام-، ذلك الأب الذي تَحَلَّلَتْ مُهْجَتُهُ من وجع الفقد حتى انطفأ النور في عينيه، واعتزل الدنيا بكآبة كظيمة، لكنه أَبَى أن يُسلم قلبه لغياهب اليأس، فكان يفر من حزنه إلى منبع فرجه: (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ)، ثم يلتفت إلى بنيه، وبقايا صوته المُتَهَدِّجِ بالطهارة تقطر رجاءً وعزمًا: (وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ)، فجبر الله ذاك الانكسار العظيم، وأعاد له يوسف محفوفًا بالملك، ليُعلم البشرية أن المستحيل يموت عند عتبات اليقين.
وأيوب - عليه السلام - حين تساقطت عافيته كأوراق الخريف، وهجره القريب، وجلس على رماد البلاء وحيدًا، لم يتسخط القضاء، ولم ينطق بمرارة، بل صاغ بدموعه وحَشْرَجَةِ صدره أدبًا يبكي له الوفاء: (أَنِّي مَسَّنيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)، فانفجرت له ينابيع الشفاء من تحت قدميه، فالله -جل جلاله- لا يخذل من احتمى بحماه.
وعلى شاطئ الذعر، حيث تلاطم الخوف في قلوب بني إسرائيل، والبحر من أمامهم والموت من ورائهم، وقف موسى - عليه السلام - كالطود العظيم، لم تزلزله الرِّعْدَةُ، بل نظر إلى ما وراء الأسباب بعين لم تلمح سوى عظمة الخالق: (قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ)، فأمر الله البحر العاتي فانفلق، وصارت غَيَابَاتُ اليَمِّ طرقًا يبسة يمشى عليها المستضعفون بسلام.
وصولًا إلى الغار، يوم وقفت قريش بسيوفها وحقدها على حافة الهلاك، ولم يبقَ بين النور والظلمة إلا أن يطأطئ أحدهم رأسه ليرى، فارتجف الصديق خوفًا على النبوة، فتبسم - عليه الصلاة والسلام - بقلب موصول بالعرش، وقال كلمة زلزلت أركان الخوف: (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)، فكانت هذه المعية درعًا لا تخترقه السهام، وحصنًا تخر أمامه جيوش الأرض.
وهذا هو شأن المؤمن دائمًا، قد يطول ليله حتى يظن أن الفجر قد ضل طريقه، وتتكالب عليه الهموم حتى يضيق صدره، غير أن فرج الله يأتيه في دبيب خفي لا تدركه الأبصار، ثم تتنزل البشارة لتضمّد الروح: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا).
لقد اقترن اليُسر بالعُسر في ذات اللحظة، لتعلم أن يد الرحمة تحتضن البلاء وتخفف ثقله منذ أول قطرة.
فيا أيها الأخ المبارك، ويا صاحب الفؤاد المَكْلُومِ... لا تُطفئ قنديل الأمل في سَرَادِيبِ روحك، فإن الذي نصر الخليل، ورد الغائب ليعقوب، وشفى أيوب، وفلق البحر لموسى، وحمى الحبيب في الغار، هو ربك الذي يسمع الآن أنينك الخفي. فاقصد بابه مستسلمًا، وألقِ أثقالك عند عتباته، وقل بيقين يرج ركود الروح: (وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ)، فوالله ما تاه قلب استضاء بنور الله، ولا خاب عبد جعل الخالق قبلة رجائه.