عمرو أبوالعطا
في ثمانينيات القرن العشرين، شهدت المملكة العربية السعودية تحولاً عمرانياً وفنياً فريداً، حين استُدعي النحات اللبناني الرائد عارف الريس ليترك بصمته الإبداعية على ملامح مدينتي الرياض وجدة، ليمتد إبداعه بعد ذلك إلى تبوك. كانت مهمته خلق حوار بصري عميق بين روح الحداثة الغربية وجوهر الهوية العربية الإسلامية، مستخدماً المعادن الثقيلة كأنها ريشة رسام يخط بها لوحات ثلاثية الأبعاد في فضاء المدينة. لقد تحولت منحوتاته إلى معالم حضرية تروي قصة لقاء الحضارات بتقنيات هندسية استثنائية ورؤية فنية ثاقبة، ليظل إرثه بعد عقود شاهداً على قدرة الفن في صياغة هوية بصرية فريدة للمدن السعودية.
في مدينة جدة الساحلية، التي تسمى بحق المتحف المفتوح للفن الميداني، نفذ الريس أشهر أعماله على الإطلاق وهي منحوتة سيوف الله التي تتوسط ميدان فلسطين عند تقاطع طريق الأندلس مع شارع فلسطين. ترتفع هذه التحفة المعدنية نحو سبعة وعشرين متراً، مصنوعة من الألمنيوم اللامع، وكأنها دعوة صامتة للتأمل في العلاقة بين الأرض والسماء. لم يأت اختيار الألمنيوم عبثاً، فجدة برطوبتها العالية وملوحتها تحتاج إلى معدن لا يصدأ ويظل محتفظاً ببريقه لعقود، لكن العبقرية الحقيقية تكمن في كيفية تشكيل هذا المعدن الخفيف ليبدو كأنه سيوف مشرعة تتصاعد نحو الأعلى. استلهم الريس التصميم من حروف لفظ الجلالة الله، ففكك الحروف وحولها إلى كتل هندسية حادة ترمز إلى القوة والمنعة والسمو الروحي في آن واحد. وعند الغروب، عندما تنعكس عليه أشعة الشمس الذهبية، تتحول سطح الألمنيوم العاكس إلى مرآة ترسم ألوان البحر والسماء، فتبدو المنحوتة وكأنها تتوهج بلون أرجواني أو نحاسي بحسب زاوية النظر، وكأنها تتنفس مع إيقاع الطبيعة المحيطة.
هذا التلاقي بين المادة الصماء والضوء المتغير هو ما يجعل من سيوف الله أكثر من مجرد عمل فني ثابت، بل ظاهرة بصرية تتجدد كل يوم. وقد حرص الريس بالتعاون مع المهندس محمد سعيد فارسي، أمين جدة آنذاك، على أن تكون هذه المنحوتة قلب ميدان فلسطين النابض، ليس فقط كرمز ديني ووطني، بل كعنصر جمالي يروض فراغ الميدان الشاسع ويمنحه بعداً إنسانياً. يتطلب تنفيذ عمل بهذا الارتفاع مهارات هندسية فائقة، إذ جرى تثبيته على قواعد خرسانية عميقة قادرة على مقاومة الرياح القوية التي تهب على المدينة ، ما يعكس كيف وازن الريس بين الرؤية الفنية والواقع التقني ببراعة نادرة. وقد صمم النموذج الأولي للمنحوتة باستخدام خشب البلصة في لبنان، ثم صبه بالبرونز قبل أن يتم تنفيذه بالحجم الضخم من الألمنيوم في جدة، ما يدل على دقته المتناهية في الانتقال من النموذج الصغير إلى التحفة العملاقة.
لكن إسهام الريس في جدة لم يقف عند هذا العمل الضخم، فقد عمل مستشاراً فنياً للأمانة في الثمانينيات، فأسس لما يمكن تسميته مدرسة جدة للنحت الميداني، حيث أشرف على اختيار مواقع لأعمال فنانين عالميين مثل البريطاني هنري مور والإسباني خوان ميرو، إلى جانب تنفيذه منحوتات أخرى خاصة به تتسم بالتجريد العضوي.
في تلك الأعمال، التي تتوزع في مناطق مختلفة من المدينة ، نجد انحناءات تشبه الأمواج المتكسرة أو الأصداف البحرية، لكنها مصبوبة في قوالب معدنية صلبة من البرونز والحديد، وتتميز بأشكالها التي توحي بالحركة والارتقاء. هذه الازدواجية بين ليونة الطبيعة وصلابة المعدن تعكس فلسفة الريس الجمالية، التي ترى أن الفن العام يجب أن يكون جسراً بين الإنسان ومحيطه، يثقف العين ويرتقي بالذائقة دون أن يفرض نفسه بقسوة على المكان.
على الجانب الآخر من المملكة، وفي قلب العاصمة الرياض، اتخذت تجربته مساراً حوارياً مع طبيعة نجد وهويتها البصرية. فبينما كان المعماري الأردني رأسم بدران يضع بصمته العمرانية الخالدة في منطقة قصر الحكم من خلال بوابات الساحات وإطاراتها الحجرية التي تروض الضوء، كان الريس يغرس في ميادين الرياض أعمالاً نحتية تجريدية تعكس فلسفته في تطويع المعدن. هنا، لم يكتفِ الريس باستخدام الألمنيوم، واتجه نحو البرونز والحديد المعالج، ليخلق تكوينات عضوية تتناغم مع دفء العمارة النجدية وألوان تربتها.
واللافت في هذا التمازج بساحات قصر الحكم أن العناصر البصرية ليست كتلًا صماء، بل هي أشكال هندسية مفرغة تخلق نوافذ فنية تسمح للمشاهد برؤية الجامع أو القصر من خلالها. بهذه الحيلة البصرية التي أرساها بدران وتناغم معها الريس في أعماله النحتية القريبة، أصبح العمل الفني والمعماري وسيطاً يربط المارة بالتاريخ. لقد تحول الفراغ نفسه إلى مادة قابلة للتشكيل، وأثبت هذا التعاون غير المباشر أن غياب الكتلة يمكن أن يكون حضوراً بصرياً مؤثراً.
في منطقة الديرة تحديداً، حيث يمتزج عبق الماضي بحيوية الحاضر، نجد منحوتة حروفية أخرى للريس تتخذ شكلاً مختلفاً تماماً. هذه المنحوتة، التي تقع في إحدى الساحات المفتوحة ضمن مشروع التطوير، تستند إلى ليونة الخط العربي وانسيابيته، حيث تلتف الخطوط المعدنية حول بعضها البعض لتشكل تكويناً رأسياً يوحي بالسمو والارتقاء. هنا، لم يعد الحرف العربي مجرد رمز لغوي قابل للقراءة، بل تحول إلى كيان معدني ثلاثي الأبعاد يلتف حول نفسه بتمايل عضوي وكأنه يرقص في الفضاء. هذا العمل يخلق توازناً دقيقاً بين ثقل المادة وخفة الحركة، فتثير في النفس شعوراً بالدهشة والتأمل. الريس لا يدعوك هنا لقراءة كلمة محددة، بل لتعيش تجربة بصرية صرفة مع الحرف العربي وهو يتحول إلى كائن معدني عملاق يحاور السماء والأرض معاً، مطلقاً إياه من سجن السطح إلى فضاء الأبعاد الثلاثة.
إلى هاتين المدينتين، امتد إبداع الريس ليشمل مدينة تبوك حيث نفذ أعمالاً تحمل اسماً موحياً هو أنصاب تبوك. هذه المنحوتات، المنتشرة في ميادين عامة مختلفة، تمتاز بخامات تمزج بين الحجر والمعدن، وتأتي تكويناتها التجريدية مستوحاة بشكل مباشر من جبال تبوك الوعرة وصحرائها الشاسعة. هنا يختلف الأسلوب عما شاهدناه في جدة والرياض، إذ يتخلى الريس جزئياً عن الحدة الهندسية والسيولة الحروفية ليتجه نحو أشكال أكثر خشونة وصلابة تحاكي الطبيعة الجغرافية للمنطقة. إنها محاولة فنية لترجمة صمت الجبال وعراقة الصحراء إلى لغة معاصرة، وكأن المنحوتة تنبت من الأرض نفسها لا أنها وُضعت عليها. هذا التنوع في المعالجة بين المدن الثلاث يُظهر مرونة الفنان وقدرته على التكيف مع روح كل مكان، فمن البحر في جدة إلى الصحراء في الرياض إلى الجبال في تبوك، كل منحوتة تحمل حمضها النووي الخاص.
أما القيمة الاجتماعية لهذه المنحوتات، فهي لا تقل أهمية عن قيمتها الجمالية أو التقنية. في ساحات قصر الحكم بالرياض، أصبحت أعمال الريس نقاط التقاء يومية للسكان والزوار، فالأطفال يركضون حولها ويلعبون في ظلالها، والشباب يلتقطون الصور التذكارية بجانبها، وكبار السن يستظلون بها في ساعات الظهيرة الحارة. هذا التفاعل التلقائي واليومي مع العمل الفني هو ما يمنحه قيمته الحقيقية، إذ يتحول من قطعة نخبوية محصورة في صالات العرض إلى جزء عضوي من النسيج الاجتماعي، يعيش ويتنفس مع حركة الناس وأحوالهم. لقد نجح الريس في أنسنة الفضاءات العامة التي غالباً ما تكون باردة وجامدة في تصاميمها العمرانية، محولاً الساحات الواسعة إلى أماكن ذات هوية وحكاية ودفء. الأطفال يجرون حول المنحوتات دون خوف، والكبار يتأملونها دون تكلف، وهذا تحديداً هو سر نجاح الفن العام حين يكون حقيقياً وعضوياً.
إذا تأملنا فلسفة الريس النحتية عن كثب، نكتشف صراعاً دائماً بين ثقل المادة وخفة الفكرة. يستخدم الحديد والألمنيوم والبرونز، وهي معادن توحي بالقسوة والصلابة والثقل، لكنه يشكلها بطريقة تجعلها تبدو كقطعة من القماش المنساب أو الورقة المتطايرة في الهواء أو حتى كالحرف العربي المرن. هذا التناقض المتعمد بين الجوهر والمظهر، بين طبيعة الخامات الصلبة وشكلها المائع، هو جوهر عبقرية الريس، الذي آمن بأن النحت الميداني ليس مجرد وضع كتلة في فراغ، بل خلق علاقة درامية بين الكتلة والفراغ والضوء والإنسان. كل منحوتاته في الرياض وجدة وتبوك تحمل هذا التوتر الإبداعي، فتجذب الناظر إليها من بعيد بحضورها المهيب، ثم تدفعه للاقتراب منها والتأمل في تفاصيلها وعباراتها الفراغية، وأخيراً تتركه يتساءل عن المعاني الأعمق التي تحملها.
لم تكن أعمال الريس مجرد زينة عابرة في ميادين المملكة، بل نصوصاً بصرية مكتملة تحكي قصة لقاء الحداثة الفنية بالهوية العربية الإسلامية في مرحلة مفصلية من تاريخ السعودية. في كل منحوتة، سواء في جدة الساحلية أو الرياض الصحراوية أو تبوك الجبلية، نجد ذلك التوتر الخلاق بين الماضي والحاضر، بين التراث والمعاصرة، بين الروحاني والمادي. لقد استطاع الريس، بثقافته الواسعة وحسه الفني المرهف، أن يقدم نموذجاً للفن العام العربي الأصيل الذي لا يستعير حلوله من الغرب جاهزة، ولا ينكفئ على تراثه متحجراً، بل يصوغ لغة بصرية جديدة تنتمي إلى زمانها ومكانها بكل ثقة واقتدار.
عارف الريس لم يمنح السعودية منحوتات فقط، بل منحها نموذجاً للعلاقة الممكنة بين الإنسان والمكان، بين التراث والحداثة، بين الروح والمادة، وهو نموذج سيظل ملهمًا للأجيال القادمة من الفنانين والمعماريين والمخططين الحضريين في كامل الوطن العربي. أعماله هي شهادة حية على أن الفن الحقيقي لا يعرف حدوداً ولا يموت، وأن العبقرية حين تلتقي بالفرصة المناسبة في المكان المناسب، تنتج خلوداً يمتد ليعانق السماء كما تفعل سيوف الله في جدة، أو يتأمل الصحراء كما تفعل كتل قصر الحكم في الرياض، أو يصمت مع الجبال كما تفعل أنصاب تبوك.