إيمان حمود الشمري
في خطوة حكيمة ومهمة تعكس أبعادًا اقتصادية واجتماعية وتنموية، يأتي توجه صندوق الاستثمارات العامة نحو توطين المناصب التنفيذية، تأكيدًا للثقة بالكفاءات الوطنية وقدرتها على قيادة المؤسسات وتحقيق مستهدفات التنمية ورؤية المملكة 2030، فصندوق الثروة السيادي السعودي، بما يمتلكه من ثقل اقتصادي ومكانة مؤسسية مؤثّرة، عندما يتخذ قرارًا بهذا الحجم، فإن أثره يمتد إلى مختلف القطاعات والمؤسسات، ليشكِّل نموذجًا يُحتذى به ويعزِّز التوجه نحو تمكين الكفاءات الوطنية.
إن توظيف الكفاءات الوطنية وتمكينها ليس ترفاً ولا مجاملات ولا شعارات وطنية، وإنما احتياج يقود البلد إلى سيادة الأمن والبقاء في عالم تتصارع فيه الدول على كل شبر من النفوذ والتأثير، فالأمة التي تُحسن توظيف عقول أبنائها تبني حصونها من الداخل قبل حدودها من الخارج.. والدولة التي تُقدِّر كفاءاتها الوطنية وتضعها في المواقع التي تستحقها، دولة تُثبّت سيادتها وتُرسّخ هيبتها، وتُؤمّن مستقبلها في مواجهة التحديات، فإن أعظم ثروة تمتلكها الأمة ليست ما تحت أرضها، بل ما فوقها من عقول وكفاءات.
لا شك أن الاستفادة من الخبرات الأجنبية تمثِّل عنصرًا مهمًا في نقل المعرفة وتبادل التجارب والاستفادة من أفضل الخبرات، وذلك لا يتعارض مع تمكين الكفاءات الوطنية، بل يتكامل معه في بناء قدرات محلية مؤهلة وقادرة على قيادة التنمية وتحقيق الاستدامة، وفي الوقت الذي تتشكَّل فيه جاهزية أبناء الوطن من خلال اكتسابهم الخبرات والتجارب العالمية، يتهيئون تدريجيًا لتولي المناصب، بما يحقق انتقالًا سلسًا يضمن استمرارية الأداء بكفاءة عالية.
ومع ذلك، فإن الأمان الحقيقي لا يتحقق بمجرد «السعودة» وحدها، بل من خلال السعودة القائمة على الكفاءة والتأهيل والحوكمة الجيدة، فالمعيار الأهم لأي منصب حساس هو أن يشغله الشخص الأكثر قدرة على أداء مهامه بكفاءة ومسؤولية، سواء كان الحديث عن قطاع حكومي أو استثماري أو تقني متعلِّق بالأمن والبيانات، فالمملكة لا تكتفي بتوظيف الكفاءات الوطنية وتمكينها من مواقع القيادة والمسؤولية، بل تحرص كذلك على متابعة الأداء وقياس النتائج وفق معايير واضحة، بما يعزِّز الشفافية والنزاهة، ويضمن كفاءة التنفيذ وتحقيق المستهدفات الإستراتيجية على الوجه الأمثل.