د. تنيضب الفايدي
تعوّد الباحث الكتابة في الأدب والآثار المتعلقة بهذا الوطن الغالي وصياغتها أدبياً لترسخ في ذهن القارئ، وجمع كثيراً عن تلك الآثار، كما تعوّد الكتابة فيما يتعلق برسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته المباركة، وصدرت المؤلفات موثقة وصادقة، كما يكتب في التربية وهو المتخصص فيها، حيث كان الأول في معاهد المعلمين الثانوية (1390هـ)، ثم نال شهادتين بجامعة الملك سعود (الرياض) إحداهما ممتاز، ثم نال شهادة الماجستير في التربية من جامعة الملك عبد العزيز (ممتاز)، ثم حصل على شهادة الدكتواره في التربية من كلية العلوم الاجتماعية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية (ممتاز)، لذا فإن كلّ ما أذكره وأكتبه موثقّ وصحيحٌ، والغابة مكان من المدينة في الشمال الغربي على نحو بريد، وقيل: ثمانية أميال قديماً، ينتهي إليه سيل العقيق وكذلك سيول المدينة المنورة، وسميت الغابة؛ لأن شجيرات من الأثل والطرفاء تنمو في أرضها بكثافة، كان ذلك قديماً، أما الآن فقد غطيت بالبنيان وأصبحت جزءاً من المدينة، وهذه الغابة هي المذكورة في حديث السباق، (من الغابة إلى موضع كذا)، كما جاء ذكرها في عدة حوادث تاريخية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وفي بدايات العهد الإسلامي كانت الغابة تمدّ أرض الشام بالقمح الوفير الفائض عن احتياجها.
ونظراً لأهميتها تاريخياً فقد ذكرها معظم المؤرخين، قال الواقدي: «الغابة بريد من المدينة على طريق الشام. وكان منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع من طرفاء الغابة، وفي الغابة أرض للزبير بن العوام رضي الله عنه، اشتراها بمئة وسبعين ألف، وبيعت في تركته بألف ألف وست مئة ألف».
وقال الحموي: «الغابة الجمع من الناس، والغابة الشجر الملتف الذي ليس بمرتوب لاحتطاب الناس ومنافعهم، وهو موضع قرب المدينة من ناحية الشام، فيه أموال لأهل المدينة، وهو المذكور في حديث السباق : من الغابة إلى موضع كذا ومن أثل الغابة». وقال البكري: «ثم يفضي العقيق إلى سافلة المدينة- الغابة وعين الصورين». ويقول ابن القيم رحمه الله عن الغابة: «موضع قرب المدينة من ناحية الشام، فيه أموال لأهل المدينة». وقال الفيروزآبادي: «الغابة اسم موضع قرب المدينة، على نحو بريد، وقيل: ثمانية أميال من المدينة من ناحية الشام وفيه أموال لأهل المدينة».
كما ذكر السمهودي الغابة وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قصر الصلاة بالغابة في غزوة ذي قرد، وقال العياشي: إذا أطلقت الغابة في المدينة، فالمقصود بها منطقة العيون، ويحدها من المشرق جبل أحد. وقال: «هي معروفة اليوم عند أهل المدينة بغابة الزبير بن العوام رضي الله عنه، وهي من الشمال من أحد، وجعل الغابة التي فيها الغزوة غير غابة الزبير». وقال الأستاذ عبدالقدوس الأنصاري بعد ما ذكر رحلته إلى الغابة مفصلاً والذي قام بها في عام 1349هـ وذكر أرض الزبير بن العوام، قال: معنى ذلك أنه عمّرها واستثمرها، حتى بلغت قيمتها بعد إصلاحها وتعميرها أضعافاً مضاعفة، وقريباً من الغابة بركة تسمى «بركة ابن الزبير» لعلها كانت تسقي الأرض بعد تجمع الماء فيها. ومع ضخامة هذه البركة وخلودها، لم يرد لها ذكر فيما اطلعت عليه من تواريخ المدينة. وقد ورد في المغانم المطابة للفيروزآبادي ووفاء الوفا للسمهودي عند تحديد مكان «حفيا» أنها على مقربة من «البركة»، ولعل البركة بركة ابن الزبير أنشئت في هذا المكان».
ويقول: «وقلت في نفسي وأنا أتأمل وضع الغابة الحالي وأقارنه بما ذكر، سبحان الله! في هذه الغابة الموحشة المقفرة من الزرع والنبات والنخيل في هذا العصر – عصر القرن الأول الهجري؟ حقاً إن هذه الأماكن كالبشر، تسعد وتشقى ثم تسعد، ولا ندري متى تحف السعادة الغابة بعد هذا.
وقد ذكر الخياري الغابة ورحلته إليها حيث يقول: الغابة لغة: هي الأرض ذات الشجر الكثير المتكاثف، والغابة تقع غربي مشهد سيدنا حمزة رضي الله عنه وجبل أحد، وشمال المدينة المنورة، وهي مجمع سيول المدينة المنورة إنها تتجمع قبل الغابة في وادي إضم، ثم تصب موحدة في الغابة، وقد أراد الله جل شأنه أن أذهب إلى الغابة مع بعض أصدقائي، فإذا هي أجمة مخيفة موحشة، ذات شقوق هائلة غائرة في باطن الأرض، احتفرتها السيول بقوة تيارها، وقد لاحظنا آثار وطأة حيوانات متوحشة، هذا بالإضافة إلى صعوبة الوصول إليها والسير فيها، وروى محمد بن الضحاك قال: كان العباس رضي الله تعالى عنه يقف على سلع فينادي غلمانه وهم بالغابة فيسمعهم وذلك من آخر الليل، وبين سلع والغابة ثمانية أميال، والحقيقة أنني أعتقد أن الضحاك يقصد جبل أحد لأن سلع بعيد جداً عن الغابة، أما أحد فهو أقرب بكثير من سلع إلى الغابة والله أعلم.
كما جاء ذكر الغابة عند بيان منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث صنع منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من طرفاء الغابة أو الأثل، أتى بها النجار وسهل بن سعد من منطقة الغابة القريبة من المدينة المنورة، فقد روى البخاري بسنده عن أبي حازم بن دينار: أن رجالاً أتوا سهل بن سعد الساعدي، وقد أمتروا في المنبر ممَّ عُودُهُ؟ فسألوه عن ذلك؟ فقال: واللهِ إني لأعرف مما هو، ولقد رأيته أول يوم وضع، وأول جلس عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فلانة امرأة من الأنصار، وقد سمّاها سهْلٌ – مرِي غلامَكِ النّجارَ أن يعمل لي أعواداً أجلسْ عليهنَّ إذا كلمتُ الناس، فأمرته فعملها من طرفاء الغابة..» الحديث. متفق عليه
وقد اشتهرت الغابة بالغزوة حيث نسبت إليها، فسميت: غزوة الغابة، وتسمى أيضاً غزوة ذي قرد( قرد جبل أسود بأعلى وادي النقمي شمال شرق المدينة. البلادي)، لأن الماء الذي نزل به رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له ذو قرد، وهي في الحقيقة حركة مطاردة ضد فرع من بني فَزارة وإحدى القبائل المكونة لغطفان وهي أشجع، وفزارة وأنمار، وبنو محارب، وعبس وبنو مرة بن عوف، وتسكن قبيلة غطفان شرق المدينة المنورة وشمالها، وقعت هذه الغزوة في شهر ربيع الأول سنة ست من الهجرة، حيث قام هذا الفرع بما يسمى حالياً: (القرصنة) وتطبيق عادة بعض القبائل في الجاهلية التي تعتمد على السلب والنهب، فقد هجم عيينة بن حصن الفزاري مع مجموعة من قبيلته على لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغابة وكانت عشرين لقحة، وفيها رجل من بني غفار وامرأته، فقتلوا الرجل واحتملوا المرأة في اللقاح. رواه مسلم.
والرجل الذي قتلوه هو ابن أبي ذر رضي الله عنه، واسمه: ذر، وكان يرعى الإبل وامرأته التي أسروها اسمها: ليلى. وأخرج البخاري عن سلمة بن الأكوع قال: خرجت قبل أن يؤذّن بالأولى، وكانت لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم ترعى بذي قرد، قال: فلقيني غلام لعبد الرحمن بن عوف فقال: أخذت لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قلت: من أخذها؟ قال: غطفان. قال: فصرخت ثلاث صرخات: يا صباحاه. قال: فأسمعت ما بين لابتي المدينة. ثم اندفعت على وجهي حتى أدركتهم.. وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم في خمس مئة واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم كعادته.
وخلف سعد بن عبادة رضي الله عنه في (300) رجل يحرسون المدينة. وعقد لواء للمقداد رضي الله عنه في رمحه. وقال امض حتى تلحقك الخيول وأنا على إثرك. وكانت نتيجة هذه الغزوة أنهم أدركوا العدو فهزموه وقتلوا رؤساءه واستنقذوا اللقاح. وقيل بعضها، ولم يقتل من المسلمين إلا رجل واحد، وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ ذا قرد في اتجاه خيبر فالتجأ العدو إلى بني غطفان.
وقد أبلى في هذه الغزوة سلمة بن الأكوع بلاءً حسناً وكان رامياً. يقول سلمة بن الأكوع: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالنا سلمة. وأعطاني سهمين؛ سهم الراجل وسهم الفارس، وأردفني وراءه على العضباء راجعين إلى المدينة . رواه مسلم. والقارئ يرى أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقدر جهود الصحابة ويقيمهم ويقدم لهم ما يدخل عليهم الفرح سواء في زيادة سهم الغنائم، حيث جعل سهمين لـ(سلمة)، كما أردفه صلى الله عليه وسلم وراءه على العضباء (ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم). وهذا تقدير معنوي كبير.
إن وقوع غزوة الغابة قبل غزوة خيبر كانت بمثابة إعلان لكل من يتربص بالمدينة وأهلها، بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لن يتهاون في ملاحقة وتأديب كل من يتعرض للمسلمين، وكما هو معروف فإن نتيجة غزوة الغابة كانت بمثابة تهديد للقبائل الأخرى المجاورة للمدينة النبوية حتى لا تخطط تلك القبائل لغزو المدينة مرة أخرى، سواءً عند وجود رسول الله صلى الله عليه وسلم بها أو غيابه. ويلاحظ أن غزوة الغابة، أو غزوة ذي القرد كانت آخر غزوة لتأديب القبائل المحيطة بالمدينة المنورة، حيث لم تفكر أي قبيلة في الاعتداء عليها بعد تلك الغزوة.
كما وقعت سرية أخرى في الغابة وهي سرية أبي حدرد حيث ذكرها ابن القيم في سرايا السنة السابعة قبل عمرة القضاء، وملخصها: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلاً يقال له: قيس بن رفاعة أو رفاعة بن قيس، أقبل في عدد كثير حتى نزلوا الغابة، يريد أن يجمع على محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ذا اسم وشرف في جُشم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حدرد الأسلمي ورجلين من المسلمين ليخرجوا إليه، فخرجوا وتمكن ابن حدرد من قتل رفاعة بن قيس، وهرب قومه، فأخذوا ما قدروا عليه من النساء والأولاد، وما خف معهم من أموالهم، واستاقوا إبلاً عظيمة وغنماً كثيرة، وجاءوا بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كما جاء ذكر الغابة في مسار الطريق النبوي إلى خيبر، حيث انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة من ثنية الوداع، ثم على زغابة وهو موضع يقع شرق مجمع الأسيال، ثم سلك على النقمي وهو وادي ينحدر من شمال المدينة المنورة الشرقي دافعا في وادي الحمض على بعد 3380 متراً من مجمع الأسيال في منطقة الخُليل (الغابة).
ولم تعُدْ الغابة كما كانت حتى قبل خمسين عاماً، حيث كانت تعتبر منتزهاً جميلاً تتوفر فيها الظلال والهواء النقيّ، وكانت أرضاً ذات شجر كثير متكاتف وربما وضع المتجول فيها قديماً علامات يهتدي بها للخروج منها، لكن حالياً حجز أغلبها كأملاك خاصة.
المراجع:
المغانم المطابة في معالم طابة للفيروزآبادي، وفاء الوفا للسمهودي، تاريخ الرسل والملوك للطبري، زاد المعاد لابن القيم، السير النبوية لابن هشام، معجم البلدان للحموي، المدينة بين الماضي والحاضر للعياشي، آثار المدينة المنورة للأنصاري، تاريخ المدينة المنورة للخياري، ثقافة الأديب في بلد الحبيب صلى الله عليه وسلم للدكتور/ تنيضب الفايدي، غزوة خيبر (دراسة توثيقية) للدكتور/ تنيضب الفايدي والأستاذ/ صيفي عيسى الشلالي.