وائل العتيبي - الرياض:
في وقت تتسارع فيه الأحداث وتتزاحم السرديات وتتغير أدوات إنتاج المعرفة، يطرح المؤرخ والأكاديمي السعودي أ.د. زهير بن عبدالله الشهري رؤية فكرية جديدة لموقع التاريخ في عالم اليوم، من خلال كتابه الجديد «التاريخ الراهن والتاريخ التطبيقي.. الأدوات والتجارب من الفهم إلى الابتكار»، الذي يفتح نقاشاً واسعاً حول مستقبل الممارسة التاريخية وحدود أدوار المؤرخ في القرن الحادي والعشرين.
ويمثل الكتاب محاولة جادة للانتقال بالتاريخ من فضاء السرد والتوثيق إلى فضاء الفاعلية والتأثير، عبر إعادة النظر في العلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل، وتقديم التاريخ بوصفه أداة لفهم التحولات الجارية والمساهمة في صناعة القرار وبناء الوعي، لا مجرد سجل للأحداث المنقضية.
ويعد مؤلف الكتاب أ.د. زهير الشهري أحد الأسماء الأكاديمية المعروفة في حقل الدراسات التاريخية، إذ يشغل منصب مدير مركز بحوث التأسيس والتاريخ الوطني بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وله إسهامات بحثية متعددة في التاريخ الوطني ومناهج البحث التاريخي والدراسات المعاصرة المرتبطة بتطور الحقل التاريخي ووظائفه الجديدة.
وينطلق الشهري من سؤال جوهري مفاده: كيف يمكن للمؤرخ أن يتعامل مع عالم تتشكل أحداثه بصورة متسارعة ومباشرة أمام أعين الجميع؟ وهل يكفي انتظار عقود طويلة حتى تتحول الوقائع إلى تاريخ، أم أن المرحلة الراهنة تتطلب أدوات جديدة قادرة على قراءة الحدث أثناء تشكله وتحويله إلى معرفة رصينة قابلة للفهم والتحليل والاستثمار؟
وفي هذا السياق يناقش الكتاب مفهوم «التاريخ الراهن» بوصفه أحد الاتجاهات الحديثة التي سعت إلى دراسة الأحداث المعاصرة والقريبة زمنياً، مستعرضاً الجدل الذي رافق ظهوره بين المدارس التقليدية التي تحفظت على الاقتراب من الأحداث الجارية، والتيارات التجديدية التي رأت أن المؤرخ لا يمكن أن يبقى بعيداً عن التحولات الكبرى التي تصنع زمنه.
كما يتناول المؤلف التجارب الأوروبية والعالمية التي أسهمت في ترسيخ هذا الحقل المعرفي، ويبحث في مصادره المتعددة التي لم تعد تقتصر على الوثيقة التقليدية، بل تمتد إلى الإعلام والذاكرة الشفوية والأرشيفات الرقمية والشهادات الحية، في انعكاس واضح للتحولات التي شهدتها صناعة المعرفة التاريخية خلال العقود الأخيرة.
ولا يتوقف الكتاب عند التاريخ الراهن، بل ينتقل إلى مفهوم «التاريخ التطبيقي»، الذي يعد من الاتجاهات الصاعدة عالمياً، ويقوم على توظيف المعرفة التاريخية في معالجة القضايا العامة وصنع السياسات واستشراف المستقبل وتحليل المخاطر وتعزيز الوعي المجتمعي.
ومن أبرز ما يميز الكتاب أنه لا يكتفي بعرض المفاهيم والنظريات، بل يسعى إلى بناء جسر معرفي بين التاريخ الراهن والتاريخ التطبيقي، موضحاً حدود التداخل بينهما ومجالات التكامل الممكنة، في محاولة لتأسيس رؤية تجعل من التاريخ علماً حياً يشارك في فهم الواقع وتوجيه مساراته.
ويخصص المؤلف مساحة واسعة لمناقشة عدد من المختبرات الفكرية والمفاهيم الحديثة المرتبطة بالحقلين، مثل الذاكرة التاريخية، وتكرار الظواهر التاريخية، ودورات التاريخ، وعودة التاريخ، والتعافي من الأمراض التاريخية، إضافة إلى نماذج تطبيقية برزت خلال جائحة كورونا، وما أفرزته من أسئلة جديدة حول أدوار المؤرخ في زمن الأزمات العالمية.
وتنبع أهمية الكتاب من كونه يلامس تحولات عميقة يشهدها علم التاريخ عالمياً، حيث لم يعد المؤرخ مجرد راوٍ للماضي أو حارس للأرشيف، بل بات مطالباً بالمساهمة في تفسير الحاضر واستشراف المستقبل وتقديم المعرفة التاريخية بوصفها أداة لفهم العالم وإدارة تعقيداته.
وفي جوهره، يقدم الكتاب دعوة فكرية لإعادة الاعتبار للتاريخ بوصفه قوة معرفية مؤثرة في المجتمع، وقادراً على الإسهام في صناعة القرار وتعزيز التفكير النقدي وتطوير أدوات التعامل مع التحديات المعاصرة، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى قراءات أكثر عمقاً للواقع وأشد ارتباطاً بالدروس التي يختزنها الماضي.
وبذلك لا يبدو الكتاب مجرد دراسة أكاديمية جديدة في حقل التاريخ، بل محاولة لتوسيع حدود هذا العلم وإعادة تعريف أدواره ووظائفه في عالم سريع التحول، حيث تصبح قراءة الماضي مدخلاً لفهم الحاضر وصناعة مستقبل أكثر وعياً واتزاناً.