د. طلال الحربي
حين يُقبل ضيوف الرحمن على البقاع المقدسة ملبّين نداء إلهياً خالداً، يكون خلف كل خطوة يخطونها، وخلف كل قطرة ماء يرتشفونها، وخلف كل نسمة هواء تلطّف أجواء المشاعر المتقدة، جهد مؤسسي ضخم تقف وراءه إرادة قيادة رشيدة أبت إلا أن يكون الحج تجربةً إنسانية رفيعة في كل تفاصيلها.
وفي موسم حج عام ألف وأربعمائة وسبعة وأربعين هجرية، كانت وزارة البيئة والمياه والزراعة حاضرةً بكل ثقلها المؤسسي وكفاءة كوادرها الوطنية بدعم لا محدود من لدن القيادة الرشيدة حفظها الله و توجيهات معالي الوزير المباشرة م عبدالرحمن بن عبدالمحسن الفضلي ومتابعة ميدانية دؤوبة من معالي نائبه المهندس منصور المشيطي، في مشهدٍ احترافي يليق بمكانة هذا الوطن وعهده تجاه ضيوف بيت الله الحرام.
لم تكن الأرقام التي حققتها شركة المياه الوطنية مجرد إحصاءات باردة تُقرأ في تقارير دورية، بل كانت ترجمةً حية لعقيدة خدمة راسخة؛ إذ وُزّع ما يتجاوز تسعةً وسبعين مليوناً ونصف المليون متر مكعب من المياه النقية، خمسة وأربعون منها في رحاب مكة المكرمة والمشاعر المقدسة منذ مطلع ذي القعدة وحتى ختام الموسم، وأربعة وثلاثون ونصف المليون متر مكعب في المدينة المنورة العطرة.
وليس في هذا الرقم مجرد استيفاء لحاجة عارضة، بل فيه تجسيدٌ للفلسفة الخدمية التي يُؤمن بها هذا الوطن، تلك الفلسفة القائلة بأن ضيف الله لا يُسأل عن ماء يشرب، ولا يُعاني في طلب ما يتطهر به. وقد استندت هذه المنظومة الضخمة إلى شبكات عملاقة تمتد لأكثر من خمسة آلاف وسبعمائة كيلومتر من خطوط الضخ، وأكثر من أربعة آلاف كيلومتر لشبكات الصرف الصحي، يقف خلفها ألفان وأربعمائة من الكوادر البشرية المؤهلة التي لم تعرف في أيام الموسم كيف تُهجّي كلمة الراحة. وما كان لهذا الإنجاز الخدمي أن يكتمل لولا ما رسته الهيئة السعودية للمياه من قدرات قياسية غير مسبوقة، إذ رُفعت طاقة الإنتاج اليومية إلى ما يتخطى ثلاثة ملايين وثمانمائة ألف متر مكعب، بزيادة ثمانية عشر بالمائة عن العام الذي سبقه، فيما قفزت قدرات النقل بنسبة اثنين وثلاثين بالمائة، وتضاعفت الطاقة التخزينية لتتجاوز ثمانية ملايين وثمانمائة ألف متر مكعب بزيادة ناهزت التسعة والأربعين بالمائة.
وقد جاء تتويجاً لهذا الجهد المنظم إطلاقُ كودٍ تشغيلي موحّد لخدمات المياه في المشاعر المقدسة، للمرة الأولى في تاريخ إدارة هذا الموسم العظيم، يُنظّم عمل ثماني عشرة جهة مرتبطة بهذه الخدمة، ويضمن التكامل والتناسق في خدمة أكثر من أربعة آلاف ومائة مرفق موزّعة في أرجاء المشاعر، في سابقة تؤكد أن التخطيط المؤسسي الرصين هو الطريق الأقوم نحو الجودة المستدامة.
وبالتوازي مع إدارة الماء، كانت إدارة الأرصاد حاضرةً بصورة لافتة للنظر؛ فقد حقق المركز الوطني للأرصاد مستوىً من الدقة يبعث على الإعجاب الحقيقي، إذ تجاوزت نسبة التطابق بين توقعاته الجوية وقراءاته الآنية الثمانية والتسعين بالمائة في المشاعر المقدسة، مستعيناً بواحد وعشرين محطة أوتوماتيكية وفرت تغطية جغرافية كاملة لأجواء المشاعر، إلى جانب المحطات المأهولة برادارات الطقس والأقمار الاصطناعية التي أصدرت وحدها أكثر من ألف وتسعمائة نشرة جوية طوال الموسم.
إن القدرة على قراءة الطقس وتوقع تقلباته في بيئة حارة في ذروة الصيف ليست ترفا علمياً، بل هي ركيزة أمانٍ إنسانية لملايين البشر القادمين من صقيع القطب إلى حرارة الصحراء.
وعلى صعيد الوعي البيئي، أطلق المركز الوطني لكفاءة وترشيد المياه «مائي» مبادرةً لافتة تجلت بتعددها اللغوي الاستثنائي؛ إذ خاطبت الحجاجَ بإحدى عشرة لغة عالمية تحت شعار «بالماء نحيا وبحفظه نؤجر»، مُركّزةً على تعزيز وعي ضيوف الرحمن بأهمية ترشيد الاستهلاك، وقد تجلّى ذلك في أكثر من ثلاثة آلاف لوحة إرشادية نُصبت في مجمعات دورات المياه والمواضئ. هذه المبادرة ليست مجرد رسالة توعوية عابرة، بل هي تعبير عن رؤية ناضجة تُدرك أن خدمة الحاج لا تعني الإسراف في تقديم الموارد، بل تعني في الوقت ذاته اطلاعه على قيمة ما يُقدَّم له.
ولم تكن البيئة بمعناها الأشمل بعيدة عن دائرة الاهتمام؛ فقد ارتفع مؤشر التزام المنشآت بمعايير نظام البيئة من ثلاثة وسبعين بالمائة عام مضى إلى ثمانية وثمانين بالمائة هذا العام، وهو قفزة نوعية تعكس نضجاً مؤسسياً متسارعاً، حُقّق عبر توظيف تقنيات الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة في رصد التحديات البيئية والتعامل معها فور نشوئها. وعلى جبهة الصحة الحيوانية، اضطلع مركز “وقاء” والشركة الوطنية للخدمات الزراعية بمهام متشعبة وبالغة الحساسية، إذ فسح أكثر من مليوني رأس من المواشي الحية في المحاجر الرئيسية والمساندة، وعولج ما يزيد على ستة أطنان من نفايات المسالخ وفق أرقى اشتراطات الأمن الحيوي، في عملية اندمجت فيها الصحة العامة والسلامة الغذائية والرقابة البيئية في منظومة عمل واحدة متماسكة. وقد أسهم هذا الجهد في دعم مشروع المملكة الإنساني للإفادة من لحوم الهدي والأضاحي، ذلك المشروع الذي يُجسد نبل المقصد ورقيّ التنفيذ معاً.
إن ما تحقق في موسم حج هذا العام لا يُقرأ في معزلٍ عن سياقه الأكبر؛ سياق رؤية وطنية طموحة تنظر إلى الحج باعتباره فرصةً حضارية لا مجرد واجب تنظيمي. وحين تُضخّ مئات الآلاف من الكوادر والموارد لخدمة ضيوف الله، فإن ذلك لا يصدر إلا عن يقين راسخ بأن هذا الشرف لا يُصان إلا بالتفوق في الأداء والتجديد في الأدوات والخضوع المستمر للمساءلة. تلك هي الرسالة التي أدّتها وزارة البيئة والمياه والزراعة بكوادرها وشركائها هذا العام، رسالةً كُتبت بعرق الميدان وحُرست بمتابعة القيادة ورُسمت تفاصيلها بقلم التخطيط الرصين، لتبقى علامة فارقة في سجل خدمة البقاع الطاهرة.