وائل العتيبي - «الجزيرة»:
في لحظة تعكس التحولات العميقة في بنية الاقتصاد الدولي، تبرز العلاقات السعودية - الروسية الممتدة لأكثر من مئة عام بوصفها واحدة من أكثر الشراكات قابلية للتطور نحو نماذج تعاون جديدة تتجاوز السياسة التقليدية إلى إعادة صياغة ملفات الغذاء والمياه والاستدامة والاقتصاد الرقمي.
تأتي المشاركة السعودية في منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي لتؤكد أن العلاقة بين الرياض وموسكو لم تعد مجرد مسار دبلوماسي ثنائي، بل باتت إطارًا متعدد الأبعاد يعيد تعريف مفهوم الشراكة في عالم يواجه تحديات متسارعة في الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد والتغير المناخي.
أولًا: من قرن من العلاقات إلى شراكة إستراتيجية متعددة الأبعاد
على امتداد أكثر من مئة عام، تطورت العلاقات السعودية - الروسية من قنوات دبلوماسية تقليدية إلى شراكة إستراتيجية تشمل الطاقة، الاقتصاد، البيئة، والزراعة. غير أن المرحلة الحالية تمثل انتقالًا نوعيًا نحو «شراكة إنتاج المعرفة» وليس فقط تبادل المصالح.
وتعكس المشاركة السعودية في المنتدى الاقتصادي الدولي بسانت بطرسبورغ هذا التحول، حيث يتم إعادة تموضع العلاقات في سياق عالمي جديد يقوم على التكامل في مواجهة تحديات الغذاء والمياه والاستدامة.
ثانيًا: الأمن الغذائي.. من ملف اقتصادي إلى مشروع إستراتيجي عالمي
برز ملف الأمن الغذائي كأحد أهم محاور النقاش بين الجانبين، حيث عقد المهندس منصور بن هلال المشيطي، نائب وزير البيئة والمياه والزراعة، سلسلة لقاءات مع وزير البيئة الروسي ونائب وزير الزراعة، ركزت على تطوير التعاون في الزراعة الحديثة وإدارة الموارد الطبيعية وسلاسل الإمداد الغذائي.
وتشير مجمل التوجهات إلى انتقال واضح من مفهوم «تبادل الموارد» إلى «تكامل الإنتاج»، بما يعزز قدرة البلدين على المساهمة في استقرار الأسواق الغذائية العالمية، في ظل ضغوط التغير المناخي واضطراب سلاسل الإمداد.
ثالثًا: البيئة والاستدامة.. تأسيس لبنية تعاون مؤسسية جديدة
في البعد البيئي، شهد المنتدى توقيع مذكرة تفاهم بين وزارة البيئة والمياه والزراعة السعودية ووزارة الموارد الطبيعية والبيئة الروسية، تمثل خطوة متقدمة نحو بناء إطار مؤسسي للتعاون في حماية الموارد الطبيعية.
تشمل مجالات التعاون تنمية الغطاء النباتي، الإدارة المستدامة للغابات، حماية التنوع الحيوي، إدارة النفايات، مكافحة الاتجار غير المشروع بالكائنات المهددة بالانقراض، وحماية مسارات الطيور المهاجرة، إلى جانب تبادل البيانات والخبرات وتنفيذ برامج تدريبية مشتركة.
تعكس هذه المذكرة تحولًا مهمًا في فلسفة التعاون بين البلدين، من اتفاقات قطاعية إلى منظومة بيئية متكاملة تدعم أهداف الاستدامة طويلة المدى.
رابعًا: الاستثمار الزراعي.. إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية
سلطت التغطيات الاقتصادية الروسية الضوء على الدور السعودي المتنامي في إعادة صياغة الاستثمار الزراعي العالمي، عبر شراكات طويلة الأمد في الصناعات الغذائية والتقنيات الزراعية.
وفي هذا السياق، برز برنامج «ريف السعودية» كنموذج تنموي رائد في دعم التنمية الريفية المستدامة، من خلال تمكين صغار المزارعين وتعزيز الاقتصاد الريفي وتحقيق التوازن بين الإنتاج والاستدامة، وهو نموذج يُنظر إليه دوليًا كأحد التجارب القابلة للتوسع عالميًا.
خامسًا: الاقتصاد الرقمي للغذاء.. التمور تتحول إلى بيانات عالمية
ضمن التحول نحو الاقتصاد الرقمي، برزت مبادرات سعودية نوعية تهدف إلى تطوير منصة رقمية لرصد تجارة التمور عالميًا، بما يعزز الشفافية ويرفع كفاءة أسواق الغذاء العالمية.
كما ناقشت الأميرة سارة بنت بندر بن عبدالعزيز مبادرة استراتيجية تتعلق بانضمام روسيا إلى المجلس الدولي للتمور، إلى جانب إطلاق مرصد عالمي للبيانات يهدف إلى توحيد المعلومات وتحليل حركة التجارة الدولية للتمور.
يمثل هذا التحول انتقالًا من اقتصاد زراعي تقليدي إلى اقتصاد قائم على البيانات، يجعل من التمور عنصرًا في منظومة الغذاء الذكية عالميًا، وليس مجرد منتج زراعي تقليدي.
سادسًا: مجلس الأعمال العربي - الروسي.. نحو نموذج استثماري جديد
وفي إطار تعزيز الشراكات الاقتصادية، عقدت لقاءات مع مجلس الأعمال العربي - الروسي لبحث فرص الاستثمار المشترك في الزراعة والصناعات الغذائية وسلاسل الإمداد.
يعكس هذا المسار اتجاهاً واضحاً نحو بناء نموذج تعاون اقتصادي طويل الأمد، يقوم على ربط القدرات الزراعية الروسية الواسعة بالخبرات الاستثمارية والتنموية السعودية، بما يسهم في تعزيز أمن الغذاء على المستوى الإقليمي والعالمي.
خاتمة: من العلاقات الثنائية إلى التأثير في النظام الغذائي العالمي
تُظهر مجمل التطورات أن العلاقات السعودية - الروسية تدخل مرحلة جديدة تتجاوز حدود التعاون التقليدي، لتتحول إلى شراكة استراتيجية ذات تأثير عالمي في إعادة تشكيل منظومة الأمن الغذائي.
وبينما تمتلك روسيا موارد زراعية وطبيعية واسعة، تقدم السعودية نماذج تنموية متقدمة ورؤية رقمية حديثة في إدارة الغذاء والاستدامة، ما يجعل هذا التقاطع محورًا مهمًا في مستقبل الاقتصاد العالمي.
وفي ضوء ذلك، تبدو العلاقات الممتدة لأكثر من قرن وكأنها تدخل فصلها الأكثر نضجًا، حيث يتحول التعاون بين الرياض وموسكو إلى قوة مؤثرة في صياغة مستقبل أكثر استقرارًا واستدامة للنظام الغذائي العالمي.