«الجزيرة» - هشام عدرة:
في عبارته الخالدة يقول الموسيقار الألماني العالمي بيتهوفن (من عمل بيده فهو عامل ومن عمل بيده وعقله فهو صانع ومن عمل بيده وعقله وقلبه فهو فنان) والتوصيف الثالث ينطبق تماماً على أولئك الحرفيين المبدعين الذين يعملون بأيديهم وعقولهم وقلوبهم وأحاسيسهم لتقديم منتجات يدوية تراثية تربط الماضي بالحاضر وتحافظ على إرث الأجداد فيقدّمون لنا منتجات لا تشبه إلا نفسها عليها بصماتهم الخاصة وأحاسيسهم وأنفاسهم..
والمعروف أن المهن اليدوية والتي تدخل ضمن المأثورات الشعبية ـ وحسب الباحثة في التراث الثقافي الغير مادي صفاء قدور ـ تتمثل في عناصر مميزة تعكس التراث التقليدي الفني الذي نشأ واستمر في بلد ما وتجسد في التعبيرات الشفوية والموسيقية والحركية. إن حماية التراث تتأتى من قيمته والتي تغيرت من وقت لآخر سواء كانت قيمة جمالية أو تاريخية أو تعليمية أو اجتماعية أو اقتصادية، وهي عرضة للتلاشي والانهيار عبر الزمن إن لم يتم حفظها من هنا فلا بد لنا من ربط الحاضر بالماضي بعاداته وتقاليده بسبب ما يمليه علينا عصر العولمة من ذوبان للثقافات والحضارات وصهرها في بوتقة واحدة.
والمتابع لرحلة الحرف التقليدية اليدوية عبر تاريخها في معظم البلدان سيسجل عدداً من الملاحظات والمحطات ومنها:
أولاً : إنّ من يعمل بها غالباً يكونون ممن ورثوا هذه المهن عن أجدادهم وآبائهم لتظل مستمرة في العائلة الواحدة وللمحافظة عليها من الاندثار، ومعظم هؤلاء ظلّوا محافظين على إرث الأجداد باستثناء نسبة قليلة منهم غيّر مهنة الأجداد وتحول لأعمال أخرى لأسباب مختلفة ومنها ضعف الإقبال على شراء منتجاتهم أو صعوبة تأمين المواد الأولية لها وغير ذلك من الأسباب، كما ساهمت الازمات الاقتصادية والحروب في بعض البلدان بتهجير بعض هؤلاء الحرفيين واضطراراهم لتركها والعمل في مجالات أخرى تتماشى والبلدان التي هاجروا إليها.
ثانياً : يلاحظ هنا أيضاً أن بعضاً من الحرفيين الذين ورثوا الحرفة عن عوائلهم ويسمون (شيوخ الكار) عملَ على تعليمها لمن يرغب من الأجيال الشابة بحيث تتوسع دوائر العمل بها ويزداد عدد هؤلاء الراغبين بمزاولتها لأسباب ثقافية واقتصادية ومعيشية، ولكن لوحظ أن هناك من الجيل الشاب ممن تعلمها وعمل بها لسنوات من الوارد أن يتركها في حال تحققت له فرص عمل أخرى تدرّ عليهم دخلاً أكبر ولذلك عملت العديد من الدول وعبر الجهات الحكومية والأهلية بدعم هؤلاء الحرفيين الشباب وتحفيزهم ماديّاً ومعنوياً من خلال إتاحة الفرص لهم لمشاركة منتجاتهم اليدوية في معارض محلية ودولية.
ثالثاً : من الملاحظات هنا أيضاً أنّ الجيل الشاب من الحرفيين اليدويين (والعديد منهم يحمل شهادات جامعية لم يعمل بتخصصه الجامعي بل فضّل العمل بمهن الآباء والأجداد التراثية اليدوية) لم يكتفِ فقط بإتقان مفردات الحِرَفْ التي تعلمها أو ورثها من عائلته بل أضاف عليها بصماته ومنهم من استفاد من التقنيات الحديثة واستخدمها في عمله بهذه الحرف كتوظيف الكهرباء مثلاً لخدمة حرفته ولاختصار الوقت فعلى سبيل المثال هنا، من كان يستخدم مناشر الخشب اليدوية لتجهيز ما يلزمه من رقائق الخشب قام بوضع مناشر آلية بسيطة تعمل على الطاقة ليحصل على هذه الرقائق الخشبية فحقق له ذلك اختصاراً في الوقت والجهد ليقدّم منتجه اليدوي، وهناك من استخدم الحاسوب في عمله بينما كان الحرفيون القدامى يعملون بوسائل بسيطة لتقديم منتجاتهم فعلى سبيل المثال هنا من يعمل بالرسم على الأقمشة والزخرفة التراثية عمل على تفعيل خياله وإحساسه ليقدّم نماذجه الخاصة بمساعدة الحاسوب وبرامجه المعروفة وكذلك لتوثيق منتجاته.
رابعاً: هناك العديد من الحرفيين عملوا على الاستفادة من منتجات يدوية تراثية فقدموا لنا منتجات مبتكرة تتناغم وتتماهى مع العمل الأساسي وعلى سبيل المثال هنا قيام العديد من الحرفيين بتقديم آرائك للمضافات مستلهمين عملهم هنا من هوادج الابل التي تصنّع بشكل يدوي ولها حرفييها المتخصصين بها، وكذلك هناك من أضاف لمسات جمالية خاصة على منتجاتهم اليدوية بالاستفادة مثلاً من فنون الخط العربي وأنواعه وكذلك من المعادن النفيسة كزخرفة منتجاتهم بخيوط الفضة والذهب وغير ذلك.
وقد انتشرت الحرف اليدوية ومنتجاتها في البلاد العربية والإسلامية حيث دخل العشرات منها ضمن قوائم المنظمة الدولية للثقافة والتربية والعلوم (اليونيسكو) المحمية عالمياً كإرث ثقافي وتراثي لا مادي واجب حمايته، وعمل الحرفيون على تطويرها بما يتناسب مع ثقافة وتقاليد العالم الإسلامي فبرزت على سبيل المثال منتجات يدوية تراثية تضم عدداً من الفنون الإسلامية في حرفة واحدة ومثال على ذلك مهنة (العجمي) والتي تزيّن مباني الجوامع والقصور والصالونات والبيوتات التاريخية والمفروشات التراثية ويُنْظَرْ له على أنه قمّة الحرف اليدوية في القاعات التراثية الشرقية.
حيث نشاهد هنا ثلاثة أنماط فنية زخرفية إسلامية في عمل واحد وهي: (الزخارف الهندسية والزخارف النباتية وفنون الخط العربي) وهو يتميز كفن زخرفي بالإبهار البصري خاصة مع تنوع الألوان وشدة الاعتناء بها من قبل الحرفي فهي أول ما تجذب انتباه الداخل إلى القاعات الشرقية مع تفاصيل الزخارف والرسومات فيشاهد الزائر مجموعة من الزخارف بأشكال هندسية منتظمة ومتداخلة ومتشابكة مع بعضها البعض وأشكال نباتية كأوراق الأشجار والغصون والأزهار وهناك الخطوط العربية بمختلف أنواعها وأشكالها). كذلك برع الحرفي في عمله اليدوي بتحويل النحاسيات إلى قطع فنية جميلة وطوّرها بحث طعمّها بخيوط الفضة، وكذلك حوّل الزجاج إلى أعمال فنية ملوّنة مزخرفة بالرسومات اليدوية والخطوط العربية مع إضافة خيوط الذهب إليها.
أخيراً إنّ الصناعات الحرفية التقليدية بما تحمله من دلالات وقيم جمالية تعتبر ـ كما يؤكد الباحث التراثي محمد فياض الفياض ـ من أهم الموروثات الشعبية التراثية، حيث تجمع هذه الصناعات بين الفن والأصالة والجمال، وتعد الإرث الثقافي الذي يرافق كل عصر، كما تعد هذه الصناعات أيضاً بمختلف أشكالها وأنواعها وبما تحمله من بعد ثقافي واجتماعي واقتصادي صورة الحياة التي يعيشها كل مجتمع وهي جديرة بالاحترام والتقدير لأنها جذوة الحياة وعبق التاريخ.