(1)
سفينة المونديال الأسطورية.. والعاصفة التي غيّبت أول حضور عربي
لم تكن نشأة كأس العالم عام 1930 تشبه أي حدث رياضي نراه اليوم، بل كانت مغامرة إنسانية وجغرافية محفوفة بالصعاب.
عندما وافق الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) على منح أوروغواي شرف تنظيم النسخة الأولى، قاطعت معظم الدول الأوروبية البطولة بسبب مشقة السفر عبر المحيط الأطلسي وتكاليفه الباهظة في ظل الكساد الكبير.
وسط هذا الامتناع، برزت قصة ملك رومانيا الشاب، كارول الثاني، الذي كان شغوفاً بكرة القدم.
قرر الملك أن رومانيا يجب أن تكون هناك، ولم يكتفِ بالدعم المالي، بل تولى بنفسه اختيار قائمة اللاعبين مستبعداً سلطة المدربين! ولحماية اللاعبين من فقدان وظائفهم، أصدر مرسوماً ملكياً يقضي بمنح كل لاعب إجازة مدفوعة الأجر لمدة ثلاثة أشهر، مع ضمان عدم فصلهم من أعمالهم عند العودة.
تجمع لاعبو فرنسا وبلجيكا ورومانيا ويوغوسلافيا، بالإضافة إلى رئيس الفيفا الفرنسي جول ريميه والكأس الذهبية، على متن سفينة واحدة شهيرة تدعى «إس إس كونتي فيردي».
أمضت الفرق أسبوعين في البحر، وكان اللاعبون يتدربون على سطح السفينة وسط الرياح والأمواج في مشهد سينمائي فريد.
أما القصة الأكثر دراماتيكية وحزناً، فكانت لمنتخب مصر.
كان الفراعنة القوة الكروية الأبرز في إفريقيا والشرق الأوسط بعد تحقيقهم المركز الرابع في أولمبياد أمستردام 1928، وبناءً عليه تلقوا دعوة رسمية وخاصة من الفيفا للمشاركة.
وافقت مصر، وضبطت البعثة ساعتها للإبحار من ميناء الإسكندرية نحو فرنسا للقاء بقية الفرق وركوب السفينة «كونتي فيردي».
لكن رياح المتوسط تجري بما لا تشتهي السفن الكروية، إذ ضربت البحر عاصفة هوجاء أخّرت إقلاع السفينة المصرية بشكل كارثي، وعندما وصلت البعثة أخيراً إلى ميناء مرسيليا في فرنسا، كانت «كونتي فيردي» قد أبحرت في عمق المحيط قبل ساعات قليلة، وبسبب انعدام الطيران ووسائل الاتصال السريعة، أرسلت مصر اعتذاراً برقياً للفيفا عن عدم المشاركة بسبب ظروف قاهرة، لتضيع فرصة تاريخية لا تتكرر لتسجيل اسم العرب في اللبنة الأولى للتاريخ المونديالي.
(2)
مونديال الدوتشي.. عندما تحولت الكرة إلى سلاح فاشٍ
في عام 1934، انتقلت البطولة إلى أوروبا، وتحديداً إلى إيطاليا الواقعة آنذاك تحت حكم الحكم الفاشي بزعامة الديكتاتور بينيتو موسوليني (الدوتشي).
أدرك موسوليني مبكراً القوة الناعمة لكرة القدم، وقرر تحويل البطولة من مجرد منافسة رياضية إلى أداة بروباغندا سياسية ضخمة لاستعراض قوة نظامه الفاشي أمام العالم.
فرض موسوليني رقابة صارمة على البطولة، وتدخل في أدق التفاصيل لضمان فوز إيطاليا باللقب بأي ثمن.
امتدت يده لتجنيس نجوم من أمريكا الجنوبية يمتلكون أصولاً إيطالية (مثل الأرجنتيني لويس مونتي)، وقبل المباريات الحاسمة، كان موسوليني يرسل برقيات شهيرة وقصيرة للاعبي المنتخب الإيطالي تحمل عبارة واحدة: «الفوز أو الموت».
ورغم أن العبارة كانت شعاراً فاشياً مجازياً يعبر عن التحدي، إلا أنها أثارت رعباً حقيقياً في نفوس اللاعبين الذين شعروا أن حياتهم على المحك.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل لاحقت الشبهات حكام المباريات بشكل صارخ.
في مباراة ربع النهائي ضد إسبانيا، والتي اتسمت بعنف بدني مفرط أدى لإصابة حارس إسبانيا الأسطوري ريكاردو زامورا، حام التواطؤ حول الحكام.
وقيل إن موسوليني تناول العشاء مع بعض الحكام قبل المباريات الحساسة لتوجيههم.
في النهاية، توجت إيطاليا باللقب بعد فوزها على تشيكوسلوفاكيا في النهائي، وتنفس اللاعبون الصعداء بعد أن أفلتوا من غضب «الدوتشي»، في بطولة سُجلت في التاريخ كأول مونديال تُحركه السياسة من وراء الستار.
(3)
القمصان السوداء.. والمونديال الذي ابتلعته الحرب
أقيمت النسخة الثالثة عام 1938 في فرنسا، وسط أجواء دولية مشحونة للغاية وظلال الحرب العالمية الثانية التي كانت توشك على الانفجار.
استمر النظام الفاشي الإيطالي في استغلال الرياضة، وتحدت إيطاليا الجماهير الفرنسية الغاضبة في ربع النهائي عندما نزل لاعبوها إلى أرض الملعب مرتدين قمصاناً سوداء بالكامل (وهو لون القمصان الرمزية للمليشيات الفاشية التابعة لموسوليني)، وقاموا بأداء التحية الفاشية وسط صافرات استهجان صاخبة من المدرجات.
أما المأساة السياسية الأكبر في تلك البطولة فكانت ممثلة في النمسا.
فقبل أشهر قليلة من انطلاق المونديال، قام النظام النازي الألماني بضم النمسا فيما عُرف تاريخياً بعملية «الأنشلوس».
ونتيجة لذلك، تم حل المنتخب النمساوي (الذي كان يُعد واحداً من أقوى فرق العالم ويُلقب بفريق العجائب) وأُجبر لاعبوه على تمثيل ألمانيا النازية.
لكن النجم النمساوي الأسطوري ماتياس شينديلار، الملقب بـ «موزارت كرة القدم»، رفض بشدة اللعب تحت علم النازية مدعياً الإصابة، وهو الموقف الذي دفع ثمنه غالياً حيث عُثر عليه ميتاً في شقته بعد أشهر في ظروف غامضة.
رياضياً، شهدت البطولة لقطات طريفة، ففي مباراة البرازيل وبولندا التي انتهت برازيلية بنتيجة لافتة (6 5-)، تمزق حذاء النجم البرازيلي ليونيداس دا سيلفا (الملقب بالماسة السوداء ومخترع «الدبل كيك») بسبب وحل الملعب الشديد، فقام بخلعه وأكمل اللعب حافي القدمين لعدة دقائق وسجل هدفاً، قبل أن يأمره الحكم بارتداء حذاء جديد.
احتفظت إيطاليا بلقبها، لكن كأس العالم توقفت بعدها لـ 12 عاماً بسبب الحرب الكونية التي دمرت أوروبا وغطى سوادها العالم بأسره.
(4)
أسطورة الحفاء الهندية.. والعلم السوري على بوستر المونديال
بعد توقف دام 12 عاماً بسبب دمار الحرب العالمية الثانية، عادت الروح لجسد كأس العالم عام 1950 في نسخة احتضنتها البرازيل.
كانت البطولة بحاجة لإعادة إحياء، وتكفلت عودة المنافسات بصناعة قصص غريبة تداولتها الأجيال، وأبرزها لغز انسحاب منتخب الهند، الذي تأهل مستفيداً من انسحاب منافسيه في آسيا.
لسنوات طويلة، روجت الصحافة لقصة مفادها أن الهند انسحبت لأن الفيفا رفض السماح للاعبيها باللعب «حفاة الأقدام»، وهو الأسلوب الذي اعتادوا عليه وتألقوا به في أولمبياد لندن 1948.
لكن التدقيق التاريخي كشف أن أسباب الانسحاب كانت مغايرة، فالاتحاد الهندي كان يعاني من ضائقة مالية خانقة وعجز عن تحمل تكاليف السفر الباهظة عبر المحيط للوصول إلى البرازيل، فضلاً عن أن المسؤولين الهنود في ذلك الوقت لم يدركوا الأهمية العالمية لبطولة كأس العالم، وكانوا يفضلون التركيز على دورة الألعاب الأولمبية.
وفي هذه البطولة بالذات، ظهرت قصة عربية لافتة بطلتها الجمهورية السورية، حيث كانت سوريا من الدول القليلة التي بادرت بالمشاركة في تصفيات المونديال المبكرة.
واجهت سوريا منتخب تركيا القوي في أواخر عام 1949، وخسرت ذهاباً في أنقرة ثم انسحبت من الإياب لأسباب مادية وتنظيمية.
وتقديراً من البرازيل لكل الدول التي حركت المياه الراكدة وشاركت في التصفيات الأولى بعد الحرب، قام المنظمون بتصميم «الملصق الإعلاني» والكتيبات الترويجية الرسمية للمونديال بطريقة مبتكرة، حيث رُسم جورب لاعب كرة قدم يحمل أعلام الدول المشاركة في البطولة وتصفياتها، وظهر العلم السوري (ذو النجمات الثلاث الحمراء) جلياً على الملصق المونديالي الرسمي لعام 1950، ليوثق الأرشيف الريادة السورية المبكرة في سجلات الفيفا.
(5)
الماراكانازو.. اليوم الذي بكت فيه البرازيل
وصلت بطولة 1950 إلى محطتها الأخيرة، ولم يكن هناك مباراة نهائية كلاسيكية بل دورة رباعية، وكانت البرازيل تحتاج للتعادل فقط أمام أوروغواي لتتوج باللقب.
كانت الأجواء في ريو دي جانيرو احتفالية لدرجة الجنون، فقد طُبعت الصحف مسبقاً وصور اللاعبين على الغلاف كأبطال للعالم، وصُنعت آلاف الميداليات الذهبية باسم لاعبي البرازيل، وأُعد خطاب الانتصار من قبل رئيس بلدية ريو.
غصّ ملعب «ماراكانا» الشهير بحشد مرعب يُقدر بـ199,854 متفرجاً، وهو الرقم الأعلى في تاريخ كرة القدم لمباراة واحدة.
تقدمت البرازيل بهدف، وضجّ الملعب بالهتافات، لكن الهدوء الأوروغوياني امتص الحماس، وقلب الضيوف الطاولة بتسجيل هدفين صاعقين، لتفوز أوروغواي 2-1.
عند صفارة النهاية، ساد صمت رهيب وجنائزي وصفه اللاعبون بأنه «أقوى صمت في التاريخ»، لدرجة أن رئيس الفيفا جول ريميه نزل لتسليم الكأس ولم يجد أحداً يتكلم، فسلمها لقائد أوروغواي سراً دون مراسم.
تسببت هذه الخسارة التي عُرفت بـ«الماراكانازو» في أزمة وطنية واجتماعية حادة بالبرازيل، فسُجلت حالات انتحار متعددة في المدرجات وخارجها، وأعلنت الدولة الحداد.
أما حارس مرمى البرازيل مواسير باربوزا، فقد تحول إلى منبوذ شعبي، وعاش بقية حياته يعاني من الاضطهاد.
وقبل وفاته قال جملته المؤثرة: «في البرازيل، أقصى عقوبة للسجن في القانون هي 30 عاماً، أما أنا فقد عوقبت بالسجن طوال 50 عاماً على جريمة لم أرتكبها وحدي».
ومن شدة الصدمة، قررت البرازيل تغيير لون قميصها الأبيض المشؤوم نهائياً، لتبدأ حقبة القميص الأصفر الحالي.
(6)
معركة بيرن.. والأحذية التي صنعت المعجزة الألمانية
شهدت بطولة كأس العالم 1954 في سويسرا تحولات تكتيكية ودراما بدنية غير مسبوقة.
كانت المجر تمتلك في ذلك الوقت «فريق الأحلام» بقيادة فيرينتس بوشكاش، وهو الفريق الذي لم يُهزم طوال 4 سنوات وسحق الجميع في طريقه، بما في ذلك فوزه على ألمانيا الغربية في دور المجموعات بنتيجة ثقيلة قوامها 8-3.
في ربع النهائي، التقت المجر مع البرازيل في مباراة سُجلت في التاريخ باسم «معركة بيرن».
لم تكن مباراة كرة قدم، بل تحولت إلى حرب شوارع دموية، طُرد فيها ثلاثة لاعبين بسبب الركل والضرب المتبادل، واستمر العنف بعد صفارة النهاية (حيث فازت المجر 4-2)، إذ اقتحم اللاعبون والمدربون غرف الملابس واشتبكوا بالزجاجات المكسورة والأحذية، وتعرض مدرب المجر غوستاف شيبيش لكسر في رأسه بعد ضربه بزجاجة، وتدخلت الشرطة لفض المعركة.
تأهلت المجر للنهائي لتواجه ألمانيا الغربية مجدداً في مباراة سُميت «معجزة بيرن».كان الاعتقاد السائد يذهب إلى أن المجر ستتجاوز الألمان بسهولة، خصوصاً بعد تقدمهم بهدفين نظيفين في أول 8 دقائق.لكن المطر الغزير بدأ بالهطول، وهنا ظهرت عبقرية ألمانية غير متوقعة، حيث كان المنتخب الألماني يرتدي أحذية مبتكرة صممها «أدولف داسلر» (مؤسس شركة أديداس) تحتوي في أسفلها على براغي يمكن تغيير طولها لتناسب الملاعب الموحلة.منحت هذه الأحذية الألمان ثباتاً فائقاً في الطين، بينما انزلق لاعبو المجر المجهدون، لتقلب ألمانيا الطاولة وتفوز 3-2 في واحدة من أكبر مفاجآت التاريخ، ليعلن هذا الفوز عودة ألمانيا كقوة رياضية واقتصادية بعد حطام الحرب العالمية.
** **
- أحمد الأسمري