قبل لحظات بسيطة استوقفني مشهد يحمل من الدلالة ما يفوق تفاصيله الظاهرة. الباحث السعودي محمد ضيف الله شبيلي، المبتعث لمرحلة الدكتوراه في ولاية واشنطن الأمريكية، قرر أن يقطع رحلة برية من مدينة سياتل إلى ميامي، تمتد لنحو خمسة آلاف وثلاثمائة كيلومتر، واستغرقت منه ستة أيام سفر كاملة؛ لا لغاية شخصية، ولا لسياحة عابرة، بل ليكون حاضرًا في المدرجات مؤازرًا منتخب وطنه. وفي مثل هذه القصص الصغيرة تتجلى أحيانًا المعاني الكبرى التي لا تستطيع الأخبار العابرة أن تقولها كاملة.
هنا لا يعود الأمر مجرد حضور مباراة. هنا يصبح الطريق نفسه قصيدة انتماء. فالمسافة التي تمتد آلاف الكيلومترات، وتعبر ولايات ومدنًا وطرقات لا تنتهي، لا تُقاس بالخرائط وحدها، بل بما حمله القلب وهو يمضي نحو وجهته. كان يستطيع أن يكتفي بالشاشة، وأن يختصر المسافة بنظرة عابرة، لكنه اختار الحضور؛ لأن بعض النداءات لا يليق بها الغياب.
والانتماء الحقيقي لا تُقاس حرارته بالقرب الجغرافي، بل بقدرة الإنسان على أن يكون حاضرًا حين يناديه وطنه، ولو فصلت بينهما القارات. فالوطن لا يسكن الأرض وحدها، بل يسكن الذاكرة واللغة والملامح، ويسكن تلك الروح الجميلة التي تنتشي عشقًا بالوطن وفرحًا بإنجازاته؛ ذلك الفرح الذي يوقظ في الإنسان معنى أن يقول: هذا لوني، هذا فريقي، هذا وطني.
منذ أن ظهر الأخضر في كأس العالم 1994، وكتب حضوره الأول بذاكرة لا تزال مضيئة، تشكّلت بين السعوديين ومنتخبهم علاقة لا تختزلها كرة القدم وحدها. كان هدف سعيد العويران في مرمى بلجيكا أكثر من لقطة كروية عابرة؛ كان لحظة إعلان رمزية بأن هذا الوطن قادر على أن يفاجئ العالم، وأن يكتب اسمه في الذاكرة حين تحضر الروح قبل الحسابات.
ثم جاءت لحظة قطر 2022، حين وقف الأخضر أمام الأرجنتين، وفاز بهدفين لهدف، فاهتز العالم لسؤال واحد: كيف حدث ذلك؟ والجواب، في بساطته العميقة، كان سعوديًا خالصًا: حدث لأن الروح حضرت، ولأن جاهزية الفريق لم تكن تدريبًا مستمرًا فحسب، بل ذاكرة وطن، وثقة شعب، ونداء أرض.
ولهذا فإن قصة ذلك المبتعث لا تنفصل عن هذه السلسلة من المعاني. فهو لم يقطع الطريق من أجل كرة وحدها، بل من أجل معنى أكبر: أن يكون المواطن حاضرًا حين يمثل وطنه في أي ميدان. فالمدرج، في مثل هذه اللحظات، لا يكون مكانًا للفرجة فقط، بل مساحة من مساحات المشاركة الوطنية، حيث تتحول الهتافات إلى وفاء، والحضور إلى رسالة، والقميص الأخضر إلى وطن يمشي بين الناس.
ومن يعرف الغربة يدرك أن البعد لا يضعف الانتماء، بل يصقله. فالمبتعث الذي يعيش بين لغة أخرى وطقس آخر وروتين مختلف، يكتشف أن الوطن لا يغيب، بل يصبح أكثر حضورًا يراه في لهجة عابرة، وفي خبر من بعيد، وفي علم يرفرف، وفي مباراة يخوضها المنتخب على أرض لا تشبه أرضه. لذلك حين علم أن الأخضر حاضر في ميامي، لم يكن القرار رياضيًا فقط؛ كان قرارًا وجدانيًا، كأن القلب قال لصاحبه: يجب أن تكون هناك.والأوطان الكبرى لا تصنع صورتها بالمشاهد الرسمية وحدها، بل بهذه التفاصيل الإنسانية المضيئة: طالب يقطع المسافة، أسرة ترفع العلم، طفل يرتدي القميص، فتاة تحلم بمستقبل رياضي، ومواطن يرى في فوز المنتخب امتدادًا لفرحته بوطنه. هذه التفاصيل هي التي تمنح الصورة الوطنية دفئها، وتجعل الإنجاز قريبًا من الناس، لا مجرد خبر في الصحف.
ولأن المملكة اليوم تعيش تحولًا رياضيًا واسعًا في ظل رؤية 2030، فإن حضور المواطن في المدرج جزء من هذه الحكاية الكبرى. فالوطن الذي يستعد لاستضافة كأس العالم 2034 لا يبني ملاعب ومنشآت فحسب، بل يبني وعيًا رياضيًا جديدًا، يجعل الرياضة لغة حضور، وجسرًا للتعريف بالمملكة، ومساحة يرى فيها العالم وجهًا من وجوه الطموح السعودي.غير أن هذه الحكاية الجميلة تحتاج إلى خطاب يليق بها؛ خطاب يسبق المباراة بالثقة، ويستقبل المنتخب بما يستحقه من إيمان ومساندة. فالنقد الواعي لا يناقض المحبة، والتحليل الرصين لا يضعف الانتماء، لكن اللاعب الذي يحمل شعار وطنه يحتاج قبل كل شيء إلى كلمة ترفعه، وثقة تسنده، وحضور يذكّره أن خلفه وطنًا كاملًا يؤمن به.
والكلمة، كما يعرف أهل اللغة، ليست صوتًا عابرًا. الكلمة تصنع المعنى، والمعنى يصنع الموقف، والموقف يصنع جزءًا من الطاقة التي تتحرك في الملعب. لهذا فإن دعم المنتخب ليس ترفًا عاطفيًا، بل جزء من ثقافة وطنية راقية؛ ثقافة تؤمن بأن المواطن يشارك في صناعة الصورة بوعيه، وبحضوره، وبالكلمة التي يختارها حين يتحدث عن وطنه.
حين يدخل الصقور الخضر ملاعب أمريكا الشمالية، لن يدخلوا وحدهم. سيدخل معهم تاريخ طويل من الفخر، وذاكرة 1994، ودهشة 2022، وحلم استضافة 2034، ووجوه السعوديين في كل مكان. وسيدخل معهم محمد ضيف الله شبيلي، الذي فهم أن المسافة لا تهزم القلب حين يكون الوطن هو الوجهة.
أجمل ما في القصة ليس أنه وصل إلى ميامي، بل أنه قرر أن يذهب. ففي هذا القرار وحده يكمن المعنى كله: أن الوطن حين يسكن القلب لا يعود بعيدًا، وأن القميص الأخضر، حيثما حلّ، يصبح وطنًا يمشي.
** **
د. ياسين علي عزّي - أكاديمي وكاتب - جامعة جازان