الرياض - خاص بـ«الجزيرة»:
الأبوة والأمومة ليست مجرد هبة، بل هي مسؤولية حقيقية جسيمة، ويلحظ أن البعض من الآباء والأمهات يتلفظ بكلمات لا يحسبون لها حساباً، ولكنها تدمر الأهداف التربوية التي ينشدونها، حيث إن هناك العديد من العبارات التي تردد بحسن نية أو كجزء من أساليب التربية التقليدية، لكنها تحمل تأثيرات عميقة وغير مقصودة على نفسية وشخصية الأطفال وثقتهم بأنفسهم.
«الجزيرة» التقت اثنين من المختصين ليتحدثا عن الآثار التي تنجم جراء هذه التصرفات؛ فماذا قالوا؟
تدمير ثقة الأطفال
يقول الدكتور يامين كرامة استشاري طب الأطفال بالرياض: عندما يُكرر أحد الوالدين عبارات مثل «أنت عديم الفائدة» أو «أنت تُحرجني»، فما الذي يُغرس فعلاً في الطفل؟
في عام 2023، ربطت دراسة وبحوث بين الشعور بالخزي الذي ينقله الآباء وانهيار ثقة الأطفال بأنفسهم، وأظهرت الدراسة:
- كيف يُرسخ النقد المتكرر والمقارنات والإهانات الأسرية تربيةً قائمة على الخزي، مع ما يترتب على ذلك من آثار نفسية عميقة بالغة.
- يبقى التحدي الأساسي هو فهم كيفية تغيير هذه الأنماط لحماية ثقة الطفل بنفسه، دون التخلي عن ضرورة وضع حدود واضحة وفي تربية أبنائنا.
مثال يحدث تكراراً:
ليلة اختبار الرياضيات، دفتر المراجعة على الطاولة، وبنظرة مُتجنبة، يتنهد الوالد ويقول: «أنت سيىء جدًا في الرياضيات، عليك التركيز أكثر». لاحقًا، أمام العائلة: «أنت دائمًا تُفسد كل شيء!»، وفي ختام اليوم، يأتي حكم قاطع: «أنا مُخيّب الأمل فيك». لا يُجيب الطفل، لكن في داخله، شيءٌ ما يتصدّع.
بالنسبة لكثير من الأولياء، هذه المشاهد مألوفة، لا شيء غير عادي، كما قد يظن المرء، مجرد حزم، مع ذلك وراء هذه الكلمات تكمن آليةٌ هائلة وخطيرة: الخزي الذي يُورّثه الآباء، هذا تحديدًا ما أمضى باحثٌ سنواتٍ في تحليله، وما يكشفه مُقلق: الخزي ليس أداةً للتربية؛ بل هو العدو اللدود لتقدير الذات.
الشبكة العاطفية
يضيف الدكتور يامين كرامة استشاري طب الأطفال قائلاً: عندما يتجذّر الخزي الذي يُورّثه الآباء في صميم الأسرة، كما يُذكّرنا الأطباء النفسيون: «تُشكّل الأسرة شبكةً عاطفيةً، في أفضل الأحوال، تدعم كل فرد، وتُمكّنه من إيجاد مكانه الخاص، وتُرافق نموّه وتطوره الشخصي»، وفي حال اختل التوازن الأسري، تتحوّل هذه الأحداث إلى شبكةٍ خانقة. يصبح اللوم المُهين أسلوبًا للتواصل، والتربية من خلال الخزي روتينًا مُعتادًا، وينشأ الأطفال وهم يعتقدون أنهم المشكلة، وعندما يكبرون، لا يجد بعضهم سوى حل واحد للبقاء: الانطواء على النفس، التمرد على العائلة أو قطع العلاقات، مشيراً إلى أنه يكمن جوهر هذه الديناميكية في الشعور بالخزي؛ فبحسب العديد من الباحثين، «الخزي عدو الكرامة»، كما يوضحون، وهم يميزون بدقة بين هذا الخزي والشعور بالذنب، وينشأ الشعور بالذنب عندما نقول: «لقد فعلتُ شيئًا خاطئًا»، بينما ينشأ الشعور بالخجل عندما أعتقد: «أنا سيء». يتعلق الشعور بالذنب بفعلٍ يُمكن إصلاحه. أما الشعور بالخجل، فيُرسّخ فكرة أن المرء سيءٌ بطبيعته، وغير جديرٍ بالحب والانتماء، وعند الأطفال، يُصبح هذا الاعتقاد هوية لديهم.
عبارات شائعة
ويبين د. يامين كرامة استشاري الأطفال بالرياض بعض العبارات الشائعة التي تُدمّر الثقة بالنفس، حيث تُشير دراسة نُشرت في نوفمبر 2023 في «مجلة علم نفس الطفل التجريبي» أو «Journal of Experimental Child Psychology» إلى أن انتقادات الوالدين لها آثارٌ فوريةٌ ودائمةٌ على مزاج المراهقين وثقتهم بأنفسهم، والمُقلق، أن طريقة إدراك الطفل للنقد أحيانًا تُؤثر عليه أكثر من النقد نفسه. تحديدًا، مثل عن ذلك عباراتٌ:
- «لماذا لا تكون مثل أخيك/ أختك؟»، أو «أنتَ حساس جدًا، لا فائدة من البكاء.»، أو «أنتَ لستَ ذكيًا بما يكفي لذلك»، أو «لماذا أنتَ كسولٌ دائمًا؟»، أو «أنا أشعر بخيبة أمل تجاهك.»
أبرز الآثار
تفيد الدكتورة هيفاء بنت عثمان فدا رئيس جمعية يسر للتنمية الأسرية بمكة المكرمة أن الكلمات العفوية أو التقليدية التي تصدر من الوالدين في لحظات الغضب أو بهدف «التربية»، قد تحفر في نفسية الطفل جروحاً غائرة لا تظهر آثارها إلا مع مرور الأيام، مشيرة إلى أبرز الآثار النفسية والسلوكية الناتجة عن هذه العبارات باختصار: هدم الثقة بالنفس وتشويه الهوية الشخصية، وزرع الأحقاد والمقارنات السامة والشعور الدائم بالدونية، والقلق المزمن والخوف من الخطأ؛ خوفاً من فقدان القبول، والانعطاف نحو السلوك العدواني أو الانطواء عن المجتمع هرباً من النقد.
ثمة أبعاد جديدة تسلط الضوء على «آلية» حدوث هذا التأثير والبدائل العملية لتقويمه، وذلك وفق الآتي:
1 - التفسير العلمي (كيف يستقبل دماغ الطفل الكلمة؟)
برمجة العقل الباطن: في سنواته الأولى، يكون دماغ الطفل في حالة امتصاص تامة (أشبه بالإسفنجة)، حيث لا يمتلك الفلتر العقلي الذي يميز بين «المزاح» أو «الغضب العارم» وبين «الحقيقة». الكلمة الجارحة تُخزن في عقله الباطن كحقيقة مطلقة وبوصلة يرى من خلالها العالم.
2 - البُعد السلوكي (العناد والمقاومة)
توليد السلوك العكسي: الكلمات التقليدية القائمة على اللوم أو السخرية تحفز غريزة الدفاع لدى الطفل، فيتحول الموقف من «رغبة في التعلم والتقويم» إلى «رغبة في الانتقام أو العناد»؛ وبذلك تحقق الكلمة عكس الهدف التربوي المنشود تماماً.
3 - الأثر العابر للأجيال (إعادة إنتاج التربية)
توريث الصدمات اللغوية: إذا لم يتنبه الوالدان لخطورة هذه العبارات، فإنها تتحول إلى «نمط تلقائي» يعيدان إنتاجه مع أطفالهما، ليصبح القاموس الجارح إرثاً تربوياً يتناقله الأبناء جيلًا بعد جيل دون وعي.
والبديل التربوي بإيجاز: الانتقال من «نقد الذات» إلى «توجيه السلوك»، بدلاً من قول: «أنت فوضوي وغير مسؤول» (نقد يهدم الذات)، يُستبدل بـ:»أنا أحبك، ولكن هذا التصرف فوضوي ويحتاج إلى تنظيم» (توجيه يبني الشخصية ويسهم في تعديل السلوك).