مع ختام عام هجري، انطوت صفحة من صفحات الطهر، وغابت شمس طالما أشرقت بالخير والضياء، وترجل فارس من فرسان العبادة والتواضع، ففي يوم الأحد الثامن والعشرين من ذي الحجة لعام سبعة وأربعين وأربعمائة وألف للهجرة، ودعنا الحبيب الوفي، أبا محمد ناصر بن محمد بن سليمان الحمد.
والحمد لله على قضائه، إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا أبا محمد لمحزونون، و{إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}.
عرفت أبا محمد: نموذجًا فريدًا في العبادة والزهد، عف اللسان، سليم الصدر، حريصًا على الصدقة، يتفقد المحتاجين، ويسعى في حوائجهم، برحابة صدر، وإقبال نفس.
عرفت أبا محمد: آيةً في التواضع ولين الجانب، وأرجو له أجر الرفعة في الجنة، فهذه بشرى نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله: (وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله) أخرجه مسلم (2588).
عرفت أبا محمد: رفيقًا رقيقًا، سهلًا هينًا لينًا، يأسر القلوب بكلمة طيبة، أو دعوة صادقة، أو مزحة لطيفة، أو تواضع جم، يزيده في عيون الناس رفعةً وإجلالًا، فما ترفع يومًا على جليس، ولا استعلى بنبل خلقه على أنيس، بل كان يبسط وجهه للرائح والغادي، وأرجو له بشرى نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله: (ألا أخبركم بمن يحرم على النار، وبمن تحرم عليه النار؟ على كل قريب هين سهل) أخرجه الترمذي (2488).
عرفت أبا محمد: غيثًا أينما حل نفع، ونبعًا من الصفاء والوداد لا ينضب، يلقاك بالبشر والترحاب كأنما يسوق إليك الدنيا في ابتسامة. وقد تجسدت فيه خصلة المحبة التي جعلها الله أمارةً على القبول، فكان حديثه دواءً، ومنطقه عذبًا، يزيل السأم، ويبعث البهجة والأمل.
طلق المحيا لا يضيق بجلسة
رحب الفناء مؤنس الجلساء
عرفت أبا محمد: أبًا رحيمًا، وقدوةً حيةً لطلابه، يعلمهم بسمته، ويأسرهم بأدبه، ويفيض عليهم من علمه، يبني العقول، ويربي الأرواح، مقتفيًا أثر النبوة في الرفق والرحمة، قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} آل عمران: [159].
شرفت بصحبته الطيبة، ورفقته المباركة، في الحج، حيث لامست منه إقبالًا عجيبًا على العبادة، وحرصًا شديدًا على الطاعة، وجلدًا وصبرًا على مشاق النسك لا يقوى عليه إلا أولو العزم، وما رأيته يلتفت لنفسه، بل كان ديدنه خدمة الآخرين، وإيثارهم، والسهر على راحتهم، متمثلًا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (6026) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (906).
وكان من عاداته الأثيرة التي جبل عليها، ويمتاز بها، أنه يسلم على كل من يقابله، يتودد إليه، ويسأله عن حاله بشغف وحفاوة، حتى ليخال للناظر أنه يعرفه منذ سنوات، وربما تكون هذه هي المرة الأولى التي يراه فيها! لم يكن يفرق في بشاشته ولطفه بين وجيه، وعامل بسيط، بل كان فيضًا من الحب والود يغمر الجميع برحمته وخلقه الرفيع.
بشوش ترى حبل المودة واصلًا
لكل قريب أو بعيد تلاقيا
يسلم بالبشرى على من رأى فما
تميز معروفًا لديه وجافيا
منذ أن وصلني خبر وفاته، ما جلست في مجلس من المجالس إلا ووجدت ثناءً عاطرًا، ودعاءً صادقًا، تلهج به ألسنة الصغار والكبار، وشهادات متواترةً بأخلاقه العالية وحسن تعامله، أسأل الله عز وجل أن يجعل هذا الثناء، وتلك الشهادة، موجبًا لرحمة الله له، وفي الحديث: (مروا بجنازة، فأثنوا عليها خيرًا، فقال صلى الله عليه وسلم: وجبت، ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرًا، فقال: وجبت، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما وجبت؟ قال: هذا أثنيتم عليه خيرًا، فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًا، فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض) أخرجه البخاري (1367) ومسلم (949).
وكانت جنازته مرآةً صادقةً لما انطوت عليه سريرته؛ فكانت جنازته مشهودةً، بل من أكثر الجنائز حضورًا ورجوعًا، حيث تقاطرت جموع غفيرة من مناطق شتى، جاءوا لوداع هذا الجسد الطاهر. وصدق الله العظيم: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} مريم: [96].
وعزاؤنا في مصابنا: أنه مضى إلى رب كريم، بعد أن ترك أثرًا باقيًا، وذكرًا حميدًا، وعقبًا صالحًا، قال صلى الله عليه وسلم: (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) أخرجه مسلم (1631).
رحم الله أبا محمد، وغفر له، وأسكنه فسيح جناته، وجمعنا به ووالدينا، وإخواننا، وذرياتنا، وولاة أمرنا، وعلمائنا، في جنات النعيم. والحمد لله رب العالمين.
** **
- د. عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار