عبدالله بن حمد السلطان (النغموش)، ابن الخالة العزيز الذي وافته المنية يوم الخميس الخامس والعشرين من ذي الحجة، عرفته من طفولتنا قبل ما يقارب أربعين عاما، كان وكان، وكان ملء السمع والبصر:
لبيبٌ أعانَ اللُّبَّ منه سماحَةٌ
خصيبٌ إذا ما راكبُ الجدب أوضعا
الشاب المقبل على الحياة، المهندس الذي وعدته الحياة وأكثرت له الأمنيات.. يمر أمام عيني منذ وفاته لقطات سريعة لذكريات جميلة، كلها يحتل فيها أبو حمد دور البطولة، متحدثا أو ضاحكا أو مبتسما، فتغدو ذكرياته وتروح لتؤكد لي أننا فقدنا أحد البارزين من شباب الأسرة، غفر الله له ورحمه وجعله من شباب الجنة.
أول الذكريات تنقلني إلى حي الفاروق الجميل، ندرج سويا في ذلك البيت الفسيح فسحة مكانية وفسحة في الصدور والنفوس، نجري أو نلعب في الفناء الخارجي بين النخيل أو عند الصحن الدوار، أو نصعد سلم البلكونة الأرضية لنتفيأ ظلها في الظهيرة، فكنا وكنا:
وكنا كندماني جذيمةَ حقبةً
من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
فلما تَفَرّقنا كأني ومالكاً
لطول اجتماعِ لم (نعش) ليلةٌ معا
ينتقل الشريط إلى مرحلة الدراسة والتعلم، يجتهد والداه لتعليمه في مدارس التربية النموذجية، فيتميز علما وفهما ليتخرج فيها بمجموع مميز أهله لدراسة الهندسة، يا فرحتنا، سينشأ فينا مهندس بارع، تمضي سنوات لتخبرنا أمي حفظها الله: أن تخرّج عبدالله النغموش مهندساً، فنتسابق للتهنئة والتبريك.
ينطوي الشريط وتبدأ مرحلة العمل، يعمل أولا في مكان ما، إنسانية الزمان أن أذكره، إلا أنني أتذكر حماسته المفعمة حين تساءلت مرة عن تخصصه الدقيق (هندسة التكييف)، فانبرى يشرح بصبر معنى أن يكون للتكييف هندسة، فعلمت منه أن التكييف يقاس بالمكعب والناس والأثاث، وما نحسه من هواء يطير الشماغ والثياب إهمال للهندسة وطريق أسهل لتبريد الناس بصفق الهواء وتوزيع الأمراض، وفهمت منه أنواع التكييف للأماكن المغلقة والمفتوحة والكبيرة والمحصورة.
ثم ما لبث أن انتقل إلى مستشفى الملك عبدالله الجامعي بجامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن، ومرة أخرى يطرق سمعي وحسي حماسته في توصيف المبنى البيئي وما يتميز به المستشفى من صداقة البيئة وتوفير الطاقة والهندسة التي توزع الإضاءة إلى أعمق أعماقه طوال النهار.
مدة يسيرة كانت كفيلة بصقل موهبته في هندسة تكييف القطاع الصحي لتبدأ رحلته الأخيرة للعمل في هيئة واعدة هي هيئة الملكية الفكرية، ولي معه جلسات خاطفة في فهم الملكية الفكرية ومجال عملها الواسع، وفهمت منه الكثير وهو يشرح بصبر معنى الملكية الفكرية، واتساع مساحة المِلْكية لتشمل الكتاب المؤلف، والاختراع الواعد، والابتكار الخدمي المميز، وما زالت كلمته تتردد في أذني كلما انتهى من شرح فكرة وهو يقول (طيييب) بنغمته المميزة الودودة، فعمل وتفوق وأدار في الهيئة حتى أصبح مديراً.
تزوج الشاب في ليلة بهيجة، وانتقل من حي الريان إلى حي عرقة، ومعها انتقلت رؤيته الهندسية للازدحام المروري وتفنيد أسبابها التي خنقت البلدة العريقة/ الحي الفتي، وما زال المهندس الشاب كما تعهده مبتسما في المناسبات منغمسا في الحديث عند التماس مع التخصص الذي أحبه بوضوح.
وما أنسى حين رزق بابنه حمد، وحضر به لاجتماع الأسرة يراقبه في كل حركة، ويتابعه بقلبه كلما حملته أم أو خالة أو خال، وكأنه يكثف له الحب والعناية فقد أوشك الرحيل وقربت ساعة المنية والله المستعان.
في صباح الخميس الماضي، خرج أبو حمد ليسبح، خاض غمار البحر في إبحاره الأخير، سبح وسبح حتى سلم راية الحياة وودعها فلم تفد فيه محاولات الإنعاش من زوجه المكلومة، ولا من المسعفين فيما بعد:
وَإِذا المَنِيَّةُ أَنشَبَت أَظفارَها
أَلفَيتَ كُلَّ تَميمَةٍ لا تَنفَعُ
وأسلم الروح ومعها أطلق مشاعر الحزن في الأسرة جميعها فلا تسمع إلا البكاء والعبرات والحمد الذي سيطر على الأم المكلومة، تزورها فتسمع الحمد يتخلل كل عبارة ويرافق كل دعاء، وهي تعدد ذكرياتها معه وفضائله وإحسانه الذي يحسن به على أهله ومن حوله، تتذكر زيارته المميزة يوم الجمعة، وتذكر عنايته حين يؤذينا برد التكييف، وتتذكر وتتذكر.. وتدعو ابنها فلا يجيب:
وإنّي متى ما أدعُ باسمكَ لا تُجِب
وكنتَ جديراً أن تجيبَ وتُسمِعا
تتذكره في كل تفاصيل الأمور ودقائقها ولسان حالها يقول:
يُذَكِّرُني طُلوعُ الشَمسِ صَخراً
وَأَذكُرُهُ لِكُلِّ غُروبِ شَمسِ
وَلَولا كَثرَةُ الباكينَ حَولي
عَلى (مفقودهم) لَقَتَلتُ نَفسي
رحمك الله أبا حمد، فلقد سمعت الثناء عليك وشاهدت المحبة وشهدت عليها، فلم تكن مؤذيا ولم نعلم إلا خيرا:
فإن تكن الأيامُ فَرَّقنَ بيننا
فقد بان محموداً أخي حين ودَعا
وصدق أبو ذؤيب الهذلي في حكمته وتأمله حين قال:
كَم مِن جَميعِ الشَملِ مُلتَئِمُ الهَوى
باتوا بِعَيشٍ ناعِمٍ فَتَصَدَّعوا
فَلَئِن بِهِم فَجَعَ الزَمانُ وَرَيبُهُ
إِنّي بِأَهلِ مَوَدَّتي لَمُفَجَّعُ
وَالدَهرُ لا يَبقى عَلى حَدَثانِهِ
في رَأسِ شاهِقَةٍ أَعَزُّ مُمَنَّعُ
** **
- د. وائل العريني