لقد اقتضت حكمة الله أن يجعل لكل أجل كتاب، ولكل مخلوق نهاية حقيقة لا مفر منها، وقد كتبها الله على جميع خلقه {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}، ومع إدراك الإنسان لهذه الحقيقة، يبقى شعورنا بالفقد مؤلمًا، ولهذا كان فقد الأحبة من أشد الابتلاءات التي يمر بها الإنسان، إذ يجد نفسه فجأة أمام فراغ لا يملؤه شخص آخر. الفقد من أكثر التجارب الإنسانية الصعبة التي تمر بنا في حياتنا، إذ لا شيء يوازي ألم رحيل شخص عزيز على قلوبنا مثل والدينا، {رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} وقال الله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}. نحن نحزن ونبكي ولا نجزع ولا نقول إلا ما يرضي الله عز وجل {إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}. فجع فراق وموت الوالد هو حزن ووجع في القلب ويترك أثراً في النفوس لا يزول. فهو حب فطري متين، وهو الركن الثابت في البيت والسند الذي لا يميل والظل الذي لا يزول والحبيب القدوة الذي نتعلم ونحتذي به. الوالد السند الآمن والملاذ في كل الشدائد.
كان مؤمنًا بالله حق الإيمان، مخلصًا في عبادته، محافظا على صلواته جميعا في المسجد ذاهبا إليه مشياً في كل صلاة. كان يتصف بالصدق، والأمانة، وطيب الخلق، والتواضع وكان مخلصا في عمله. انتقل إلى الرياض صغيرا في مرحلة المراهقة ومعه بعض من أصدقائه وأقاربه الذين كانوا له إخوة وأحباباً وخير عون طلباً للرزق والمعيشة والاعتماد على النفس. عمل في القطاع العسكري والمدني حبا في خدمة حكومته ووطنه، كان مثالاً في الجد والإخلاص والأمانة في عمله. كان يتسم بالاستقلالية ولا يحب مساعدة أحد له وهو في أصعب ظروفه في الحياة، حيث يحب دائما الاعتماد على نفسه في كل شيء. كان يسكن في القلب دائما، وشاركنا معه تفاصيل الحياة الصغيرة قبل الكبيرة. حين يرحل الأحبة، لا يغيب الأشخاص فقط، بل ترحل معهم الذكريات الطيبة والسيرة العطرة، والأثر الجميل والمشاعر الدافئة والأيام التي كانت تحمل معنى مختلفًا بوجودهم.
كان أصغر إخوته وأخواته سنًّا، شديد التعلق والحب لهم، وقد سبقوه إلى دار الآخرة بسنوات، فذاق مرارة الفقد مرة بعد أخرى، لكنه قابل ذلك بصبر واحتساب راضيًا بقضاء الله وقدره، حتى جاءه الأجل المحتوم، فرحل إلى جوار ربه، نسأل الله أن يغفر له ويرحمه ويجمعه بمن أحب في جنات النعيم.
تركوا خلفهم أثراً طيبا، فإن الحب بعد الفقد مستمر في هذه الحياة، ويبقى ممتدًا في الدعاء لهم، والصدقة عنهم، والاستغفار لهم. قد يغيب الجسد، لكن الروح والذكريات تبقى حاضرة في القلوب. هذه هي الحياة الدنيا قصيرة، وأن وجود والدينا الأحياء منهم الذين لهم مكانة عالية في قلوبنا نعمة عظيمة تستحق الشكر والتقدير لله عز وجل. الراحلون لا يعودون، لكن أثرهم وحبهم يبقى خالدًا في أرواحنا، يرافقنا في الدعاء، وفي الحنين، وفي كل لحظة نتذكر فيها أنهم كانوا يومًا جزءًا جميلًا من حياتنا.
اللهم أنزله الفردوس الأعلى من الجنة، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا. وارحم أمواتنا وموتى المسلمين ورحم الله والدين كل من يقرأ هذه الرسالة ويغفر لهم. رحم الله من رحلوا عن الدنيا، وأسكنهم واسع رحمته، وألهم قلوب من فقدوهم الصبر والسلوان.
** **
- سلطان بن عبدالله العمري