ثماني سنوات مضت منذ تولي ياسر المسحل رئاسة الاتحاد السعودي لكرة القدم، وكانت كافية لأن تترك أثرها، وكافية أيضاً لأن ندرك أن المرحلة القادمة تحتاج وجهاً جديداً وفكراً مختلفاً. الاستقالة في ظاهرها قرار إداري، وفي باطنها فرصة نادرة لإعادة ضبط البوصلة التي انحرفت قليلاً بين بريق العقود وضجيج المدرجات.
لقد نجحنا مالياً في أن نجعل من دوري روشن حديث العالم، لكننا لم ننجح بالمقدار نفسه في أن نصنع منتخباً يطمئن الجمهور ويخيف الخصم.
المال اشترى لاعبين، ولم يشترِ عقلية
المال بنى ملاعب، ولم يبنِ أكاديميات تخرج مواهب قادرة على خوض غمار المنافسة لا لاعبين يفتقدون روح الاحتراف الصحيح المبني على تطوير الذات والارتقاء والثقة بالنفس وتطوير المهارة وليس على ضخ المال في الجيوب اللحظة التي يخلو فيها الكرسي من صاحبه هي اللحظة التي تسقط فيها المجاملات وتظهر الحقائق لا مجاملات الآن، ولا تبرير بالظروف.
الاستقالة تكسر الجمود الذي يصنعه البقاء، وتفتح الباب أمام دماء إدارية جديدة لم تتعلق بروتين السنوات.
الرئيس القادم لا يحتاج إلى شعبية ولا إلى اسم رنان في المجالس، بل يحتاج إلى سيرة فنية حقيقية، إلى من عاش كرة القدم كلاعب أو كمدير رياضي في بيوتها الكبرى بأوروبا، إلى من يفهم أن المنتخب ليس واجهة إعلامية بل مشروع وطني طويل.
الأفضل أن يأتي عبر انتخاب شفاف تعلن فيه الخطة قبل الأسماء، خطة مكتوبة بعشر سنوات واضحة الأهداف، ومقيدة بعقود لا ترحم.
إن لم يخرج خمسة لاعبين سعوديين أساسيين في دوريات أوروبا، وإن لم نر الأخضر في دور الستة عشر بكأس العالم القادم، فلا مكان للأعذار. تطوير الكرة لا يبدأ من المنتخب الأول، بل يبدأ من القانون الذي يجبر الأندية على أن تثق بأبنائها.ستة أجانب في الملعب كافية، والباقي للسعودي الذي يجب أن يلعب ويخطئ ويتعلم وهو في عمر العشرين لا وهو على الدكة ينتظر فتات الدقائق.
يجب أن يكون لكل نادٍ دوري رديف حقيقي يلعب فيه شبابه ثلاثين مباراة في الموسم، لا مباريات شكلية تنتهي بصافرة دون أثر.
كما يجب أن نكسر وهم العقود الضخمة المبكرة التي تقتل الجوع، فالراتب يجب أن يرتبط بالدقائق وبالعطاء لا بالاسم وبالوعد. أما المستقبل المزهر فله طريق واحد لا يتفرع، وهو طريق أوروبا.
لا يكفي أن نرسل لاعباً هنا أو هناك في إعارة سياحية ثم نعيده بعد ستة أشهر.نحتاج إلى مشروع وطني يأخذ مئة موهبة في عمر السادسة عشرة ويرميهم في قلب المنافسة البلجيكية والهولندية والبرتغالية لخمس سنوات كاملة، على نفقة الدولة وبعقود احتراف لا رجعة فيها إلا بمجد.
وحين نرسلهم يجب أن نفتح لهم الأبواب باتفاقات تجعل اللاعب السعودي لا يُحسب أجنبياً في تلك الدوريات، لأننا إن لم نكسر حاجز الخوف من الاحتكاك فلن نكسر حاجز الخسارة أبداً.
في القاعدة الحكاية أخطر
أكاديميات الأندية أغلبها واجهات، والتدريب ما زال يركز على المهارة ويترك العقل والتكتيك.
نحتاج إلى أكاديمية وطنية واحدة بمواصفات عالمية، تُدار بعقلية صارمة، يُمنع فيها المدرب المحلي من تدريب من هم دون السابعة عشرة لسنوات، حتى نستورد العقل قبل أن نصدر اللاعب.
الخلاصة أن الأموال صنعت لنا دورياً قوياً، لكنها وحدها لا تصنع منتخباً قوياً.
المنتخب يصنعه لاعب شغوف عنده طموح يتحمل ويصبر ويكافح، ومدرب لا يعرف المجاملة، وإداري يحاسب نفسه قبل أن يحاسبه الجمهور.استقالة المسحل ليست هزيمة ولا انتصاراً، هي صفحة بيضاء.وإن كتبنا فيها بخطة وشجاعة ومحاسبة، فسنرى الأخضر بعد سنوات لا يرضى بالمشاركة بل يذهب ليأخذ ما يستحق.
** **
- أحمد المطرودي