تولّى وأبقى بيننا طيب ذكره
كباقي ضياء الشّمس حين تغيبُ
ودع العمل الخيري والدعوي أحد رجاله المخلصين الناصحين بعد حياة حافلة في ميادين البر والإحسان، فضيلة الشيخ علي بن عبدالله بن محمد العجلان الذي انتقل إلى رحمه الله بعد معاناته مع المرض، حيث ظل صابراً محتسباً إلى أن فاضت روحه الطاهرة يوم الثلاثاء 8 محرم 1448هـ، وتمت الصلاة عليه ظهر يوم الأربعاء 9 محرم 1448هـ في جامع الملك خالد بأم الحمام بالرياض، وووُرِيَ جثمانه في مقبرة الشمال في أجواء حزن وأسى على فراقه، وقد أدى الصلاة عليه جمع غفير من أقاربه ومعارفه ومحبيه، رحمه الله رحمة واسعة.
وكانت ولادته في حريملاء عام 1376هـ، وقد باكره اليتم بوفاة والدته الجوهرة بنت عبدالرحمن العجلان وهو لم يبلغ العاشرة، ثم فقد والده قبل بلوغه العشرين، فجمع بين مرارة اليتم وقوة العزيمة، وكان الله له خير معين. وقد صدق فيه قول الشاعر:
وينشأ ناشئُ الفتيانِ فينا
على ما كان عوَّده أبوهُ
وقد فتح الله عليه باب الاستقامة والهداية منذ نعومة أظفاره ومستهل طفولته، ولعل ذلك ببركة دعوات والده الرجل الصالح عبدالله بن محمد العجلان الذي كان يلهج له بالدعوات التي لا تنقطع بالصلاح والهداية.
التحق الفقيد بالمدرسة الابتدائية بحريملاء، حيث كنتُ أشرف عليها إلى جانب عملي مديرًا لمعهد المعلمين، الذي افتتحته مطلع عام 1379هـ لتلبية حاجة المنطقة بالمعلمين، وفي عام 1387هـ تحوّل المعهد إلى مدرسة متوسطة، ثم أُضيفت المرحلة الثانوية عام 1401هـ، وبعد إتمامه -رحمه الله- المرحلة الابتدائية، واصل تعليمه في المعهد العلمي بحريملاء، حيث أنهى المرحلتين المتوسطة والثانوية، ثم التحق بكلية الشريعة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، قبل أن ينتقل إلى كلية أصول الدين في الجامعة نفسها، التي نال منها درجة البكالوريوس.
وبدأ حياته العملية معلِّمًا في المعهد العلمي بحريملاء، قبل أن ينتقل إلى الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء، حيث تشرف بالعمل مع سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز -رحمه الله- وكُلِّف بجولات دعوية في أنحاء المملكة، فكان داعيةً بالحكمة، ومعلِّمًا بالرفق، ممتثلًا قول القائل:
خَلَّفتَ في الدُنيا بَياناً خالِداً
(وَرَبَّيْت) أَجيالاً مِنَ الأَبناءِ
وتولى إدارة المدرسة الصالحية لتحفيظ القرآن الكريم بحريملاء في عام 1405هـ، والتي أسسها الشيخ محمد بن صالح بن سلطان -رحمهم الله- وأسهم في استقدام المعلمين والقراء، كما تولى الإمامة في مسجد الشيخ عبدالله بن إبراهيم بن الراشد في حريملاء خلفاً للشيخ إبراهيم بن عبدالرحمن العجلان -رحمهم الله- خلال الفترة من عام 1405 إلى عام 1412هـ، وشارك في تأسيس وأعمال الجمعية الخيرية بحريملاء، وكان من أهل المبادرة في ميادين البر والإصلاح. وشارك في أعمال الدعوة والتوعية والإرشاد في الحج، وَمَنَّ اللَّهُ تعالى عليه بالحج أعواماً عديدة فلا يكاد ينقطع عن أداء الحج كل عام من عام 1396هـ وحتى عام 1435هـ. وسافر موفداً للدعوة والإرشاد إلى عدد من دول العالم للمشاركة في الملتقيات والمؤتمرات الدعوية، وأسهم فيها وشارك بالتعليم والتوجيه وإلقاء الأوراق العلمية.
وفي عام 1412هـ، أوفد من الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد للعمل والإفتاء في (مركز الدعوة والإرشاد في دولة قطر)، وتولى إدارة المركز لمدة خمس سنين، فجمع بين الإفتاء، والخطابة وإلقاء الدروس والمحاضرات والكلمات في شتى جوامع ومساجد دولة قطر. كما كُلِّف في عام 1417هـ بإدارة (فرع وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد في نجران)، فعمل على بناء الجوامع والمساجد في أنحاء المنطقة، وتوطدت علاقته بأهل العمل والفضل في المنطقة، وكان له ذكر حسن عند أهلها.
ستلقى الذي قدمت للنفس محضرا
فأنت بما تأتي من الخير أسعدُ
وفي عام 1418هـ انتقل إلى العمل في ديوان وزارة الشؤون الإسلامية الدعوة والإرشاد في الرياض، وعمل مستشاراً لمعالي وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، حيث واصل عطاءه في خدمة الدعوة والإرشاد.
وكلف بالعمل مستشاراً متفرغاً في اللجنة الوطنية لرعاية السجناء والمفرج عنهم وأسرهم، واستمر في العمل في هذه اللجنة بعد تقاعده، وكان له جهدٌ بارز في رعاية السجناء والمفرج عنهم وأسرهم، والسعي في إصلاح الأحوال، وتفريج الكربات، وتقديم العون للمحتاجين، مؤمنًا بأن خير الناس أنفعهم للناس، وكأن لسان حاله قول الشاعر:
أحسنْ إلى الناسِ تستعبدْ قلوبَهمُ
فطالما استعبدَ الإنسانَ إحسانُ
وصحب عددًا من كبار العلماء، وفي مقدمتهم الشيخ عبدالعزيز بن باز، والشيخ محمد بن صالح العثيمين، والشيخ عبدالله بن جبرين -رحمهم الله- فنهل من علمهم، وتأدب بأدبهم، وكان محبًا للعلم وأهله، معظمًا للقرآن وحملته، حسن الصلة بالناس، قريبًا من القلوب، بعيدًا عن الخصومات، يصدق عليه قول الشاعر:
لَيْسَ الْكَرِيمُ الَّذِي إِنْ نَالَ مَنْزِلَةً
أَغْضَى، وَلَكِنْ كَرِيمُ الْقَوْمِ مَنْ وَصَلَا
وبعد تقاعده انصرف إلى العبادة، وملازمة المساجد، والإكثار من تلاوة القرآن، حتى لقي ربه وقد عمر أوقاته بالطاعة.
ولنا مع «أبو عبدالله» -رحمه الله- لقاءات وتبادل لإهداءات فيما بيننا، ومن وفائه -رحمه الله- أن دعانا في منزلة لتناول طعام العشاء، وهذا ليس بمستغرب عليه ودائماً ما كان يغمرنا بوفائه وتواصله -رحمه الله:
قد ماتَ قومٌ وما ماتتْ مكارمُهمُ
وعاشَ قومٌ وهم في الناسِ أمواتُ
وقد رزقه الله تعالى بعدد من الأبناء والبنات، جعلهم الله أثراً صالحاً بعده، وبارك فيهم. ولئن غاب عن نواظرنا فإن ذكره الحسن باق في شعاب النفس، وفي خواطر أسرته ومحبيه مدى الأيام.
تغمد الله الفقيد بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته، وأحسن الله عزاء أبنائه وبناته وأسرته، وابن أخيه الشيخ محمد بن عبدالرحمن العجلان عضو مجلس الشورى سابقاً وإخوته، وكافة أسرة العجلان الصبر والسلوان.
وَإِنَّمَا المَرْءُ حَدِيثٌ بَعْدَهُ
فَكُنْ حَدِيثاً حَسَناً لِمَنْ وَعَى
** **
عبدالعزيز بن عبدالرحمن الخريف - حريملاء