عبر ودروس تعلمتها من والدي: ليس كل راحل غائباً، ولا كل ميت منقطع الأثر.
فمن الرجال من إذا أغمض عينيه عن الدنيا، فتح الله له أبواب البقاء في قلوب الناس، فتظل سيرته تروى، وأخلاقه تذكر، ومواقفه تستعاد كلما مر ذكره، وكأنه ما نزال بين أهله وأبنائه يسير معهم في تفاصيل أيامهم.
ومنذ أن ودعنا والدي من الدنيا الفانية إلى رحمة الله، وأنا أكتشف أن الفقد ليس كما كنت أظنه.
كنت أرى أن الفقد هو غياب الوجه الذي ألفته العين، ثم علمت أن الفقد الحقيقي هو أن تبحث عن رجل اعتدت أن تجده كلما ضاقت بك السبل فلا تجده؛ وأن تمر بك حادثة فتهم بالاتصال به، ثم تتذكر أنه سبقك إلى دار لا تصلها الهواتف إلا هاتف الدعاء له؛ أن يمر عليك موقف فتشتاق إلى رأيه، أو تنزل بك نازلة فتفتقد حكمته، أو يتحقق لك أمر كنت تعلم أنه سيفرح به أكثر منك، ثم تتذكر أن بينك وبينه اليوم مسافة من تراب ودعاء.
لقد رحل والدي، لكنني كلما تأملت حياتي وجدت آثار يديه في كل زاوية منها.
وجدت شيئًا من توجيهه في قراراتي، وشيئاً من حكمته في نظرتي للأمور، وشيئاً من أخلاقه في تعاملي مع الناس؛ فأدركت أن الأب الصالح لا يربي أبناءه لسنوات معدودة، بل يظل يربيهم حتى بعد وفاته بما غرسه في نفوسهم من قيم ومبادئ.
كان -رحمه الله- يؤمن أن الإنسان لا يُعرف بكثرة ما يملك، وإنما بكثرة ما ينفع.
وكان يرى أن المروءة ليست كلمات تقال، بل مواقف تُحمل حين يثقل الحمل على الآخرين.
كان والدي يعتبر قضاء حاجة المحتاج شرفاً، والوفاء بالعهد دينا، وصلة الرحم عبادة، والإحسان إلى الناس باباً من أبواب رضا الله؛ ولم يكن يعظنا كثيرا بلسانه، بقدر ما كان يعلمنا بأفعاله.
فكم من موقف مر بنا ففهمنا منه درسا لا تزال الأيام تشرحه لنا حتى الآن، وكم من خُلقٍ رأيناه فيه صغيراً، ثم أدركنا بعد السنين أنه كان من أعظم ما يمكن أن يتحلى به الإنسان.
وكان مما يميزه أن الناس يجدون عنده ما لا يجدونه عند كثيرين؛ كانوا يجدون صدرا يتسع لهم، وأذنا تسمعهم، وقلبا يرحم ضعفهم، ويدا تمتد إليهم ما استطاعت.
ولهذا لم أفهم معنى السمعة الطيبة كما فهمته يوم رأيت الناس بعد وفاته.
رأيت رجالاً يدعون له بصدق، وآخرين يذكرون مواقف قديمة لم نكن نعلم عنها شيئًا، ورأيت من يتحدث عنه وكأنه فقد قريباً له، فعلمت أن بعض الأعمال الصالحة لا يراها الأبناء كلها، لكن الله يُظهرها يوم يحتاج صاحبها إلى الدعاء.
ولعل من أكثر المشاهد التي بقيت راسخة في قلبي، ولا تفارق ذاكرتي، ما رأيته بعيني ساعة تغسيله وتكفينه.
رأيت والدي مسجّى على سرير الغُسل وكأنه نائم نوماً هادئاً؛ ملامحه ساكنة، ووجهه مطمئن، وعيناه مغمضتان كما عهدتهما في حياته، حتى إن القلب كان يجد صعوبة في تصديق أن هذه آخر نظرة إليه في الدنيا، وأن اليد التي طالما امتدت إلينا بالعطاء قد سكنت، وأن الصوت الذي ألفناه عمراً كاملاً قد انقطع عن أسماعنا إلى لقاء عند الله.
ثم حملناه، فكان خفيفاً على حامليه، ميسوراً أمره في كل مراحل وداعه، حتى إذا أنزلناه إلى اللحد وكنت ممن نزل إلى القبر لوضعه في مثواه الأخير، رأيت من سهولة نزوله واستقرار جسده في لحده ما جعلني أستشعر لطف الله بعبده، وكأن الأرض التي خلق منها كانت تستقبله برفق بعد رحلة عمر طويلة من السعي والعمل.
ولا أزكي على الله أحدا، ولكنها مشاهد بقيت عالقة في نفسي، كلما تذكرتها دعوت له، وسألت الله أن يكون ما رأيناه من يسر في وداعه بشارة خير، وأن يجعل له عنده من الرحمة والرضوان أعظم مما نرجو ونتمنى.
وحينها أدركت أن أعظم ميراث يتركه الأب ليس مالا يقسم، ولا عقاراً يُورث، وإنما سيرة حسنة تسكن القلوب، وذكر جميل يبقى على الألسنة، وأبناء يحملون شيئاً من أخلاقه بعد رحيله.
لقد أخذ الموت جسد والدي، لكنه لم يأخذ أثره.
وغيبه عن أعيننا، لكنه لم يغيبه عن ذاكرتنا.
فما زلنا نسمع صدى نصائحه في مواقف الحياة، ونرى بعض ملامحه في أحفاده، ونستحضر أيامه كلما مر بنا موقف كان سيقول فيه كلمة، أو يصنع فيه معروفاً، أو يمد فيه يدا بالعون.
رحم الله أبي رحمة واسعة. فقد علمني بعد رحيله درسا لم أتعلمه في حياته:
علمني أن عمر الرجال لا يقاس بعدد السنوات التي عاشوها، وإنما بمقدار ما يبقى منهم في القلوب بعد أن يرحلوا.
ولهذا أقول مطمئناً: إن الآباء الصالحين لا يموتون حين توارى أجسادهم الثرى، وإنما يبقون أحياء في دعوات أبنائهم، وفي القيم التي أورثوها، وفي الذكر الحسن الذي خلفوه، وفي الأثر الذي تركوه خلفهم؛ أولئك هم الآباء الذين لا تموت ذكراهم.
رحل أبي، لكنني كلما اشتقت إليه أيقنت أن بعض الرجال لا يغيبون، بل يتحولون إلى دعاء دائم، وحنين لا يهدأ، وذكرى تسكن القلب حتى نلقاهم عند الله.
رحم الله الآباء الذين إذا رحلوا لم تغب آثارهم، وإذا ووروا الثرى بقيت سيرتهم تمشي بين الناس. اللهم إن أبي لم يكن رجلاً عابراً في حياتي، بل كان سندا إذا ضعفت، وأمانا إذا خفت، ووجها استبشر به كلما ضاقت الدنيا.
اللهم وقد صار بين يديك، فأكرم نزله ووسع مدخله، واجعل قبره روضةً من رياض الجنة، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلا خيرا من أهله، واجمع له بين رحمتك ورضوانك وعفوك الذي وسع كل شيء.
اللهم إني كلما اشتقت إليه دعوت له، وكلما مر طيفه بخاطري استغفرت له، فاجعل دعائي نوراً يصل إليه، واجعل بري به بعد موته أعظم مما كان في حياته.
اللهم إن القلب ما زال يفتقده، والعين ما زالت تبحث عنه، والنفس لم تألف غيابه، فاجبر كسرنا فيه جبرا يليق بكرمك، ولا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده.
اللهم إن كان قد أحسن فزد في إحسانه، وإن كان قد أساء فتجاوز عنه، واجعل أول ليلة في قبره خيراً له من آخر ليلة في الدنيا، واجعل أول صباحٍ عليه في الآخرة صباحَ رضا ورحمة وبشرى بجنات النعيم.
اللهم إني أستودعك أبي حتى ألقاه، فأكرمه في غربته، وآنسه في وحدته، واجمعني به يوم لا فراق بعده، تحت ظل عرشك وفي مستقر رحمتك، يا أرحم الراحمين.
** **
- مهنا بن محمد بن سعد المهنا