نواف بن عبد العزيز آل الشيخ
ليست الحياة طريقًا مستويًا يمضي فيه الإنسان بلا عثرات، ولا رحلةً هادئة تخلو من الانكسارات والمنعطفات القاسية، فلكل إنسان نصيبه من التعب، ولكل قلب لحظاته التي يظن فيها أن الطريق قد ضاق، وأن الأبواب قد أُغلقت، وأن السقوط الذي تعرّض له هو خاتمة الحكاية، غير أن الحقيقة الأعمق أن كثيرًا من النهايات التي نخشاها ليست إلا بدايات أخرى لم نكن نراها بوضوح.
فالإنسان لا تُعرّفه عثرته، ولا يختصره سقوطه، ولا تحدد قيمته لحظة ضعفٍ مرّ بها، إنما يُعرف الإنسان بقدرته على النهوض، وبإصراره على المضي، وبإيمانه أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما فاته لم يكن ليصيبه، وأن في أقدار الله من اللطف والحكمة ما لا تدركه عيوننا العاجلة. وقد جاءت الطمأنينة الإلهية في قوله تعالى:
{فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}
وهي آية تحمل في معناها رسالة عظيمة؛ أن العسر مهما اشتد لا يأتي منفردًا، وأن اليسر قريب وإن تأخر، وأن الفرج قد يكون أقرب مما يظن الإنسان، لكنه يحتاج إلى صبرٍ يثبّت القلب، ويقينٍ يضيء الطريق.
إن التخطي ليس ضعفًا في الذاكرة، ولا تجاهلًا للألم، ولا إنكارًا لما حدث، بل هو شجاعة روحية ووعي إنساني.
التخطي يعني أن يرفض الإنسان أن يبقى أسيرًا للحظة موجعة، أو رهينًا لتجربة قاسية، أو متوقفًا عند بابٍ أُغلق في وجهه، فالحياة لا تنتظر الواقفين طويلًا، والفرص لا تأتي لمن سلّم نفسه لليأس، والأيام لا تمنح الفرص إلا لمن يملك القدرة على البدء من جديد.
كم من سقوط كان سببًا في وعيٍ أعظم، وكم من خسارة كانت بداية لطريق أجمل، وكم من ألمٍ ظنّه الإنسان نهاية فإذا به يصبح نقطة التحول في حياته! فالشدائد على قسوتها، تصنع في داخل الإنسان بصيرة لا تصنعها الراحة، وتكشف له معادن من حوله، وتعرّفه على قوته التي لم يكن يعلم أنها تسكنه.
ومن هنا تتجلى قيمة المضي إلى الأمام، فليس المطلوب من الإنسان أن ينسى كل ما مرّ به، بل ان يحسن التعامل معه. أن يأخذ من التجربة درسها لا مرارتها، ومن السقوط حكمته لا انكساره، ومن الخيبة نضجه لا قسوته، فليس كل ما نفقده خسارة، وليس كل ما يتأخر عنا حرمانًا، وليس كل طريقٍ يتعثر فيه الإنسان دليلًا على فشله.
وقد قال أبو القاسم الشابي:
ومن يتهيب صعود الجبال
يعش أبد الدهر بين الحفر
إن في هذا البيت تلخيص لفلسفة الحياة بأكملها؛ فمن يخشى المحاولة خوفًا من السقوط، سيبقى في مكانه، ومن يهاب الطريق لأنه صعب، لن يعرف معنى الوصول! فالقمم لا تُمنح لمن لم يتعبوا، والنجاح لا يأتي لمن لم يتجاوزوا، والنور لا يعرف قيمته إلا من سار طويلًا في سراديب الظلام.
إن أعظم ما يملكه الإنسان بعد كل عثرة هو قراره بأن ينهض..
قد ينهض متعبًا، وقد يمضي بطيئًا، وقد يحمل في داخله أثرًا لا يراه الآخرون، لكنه حين يختار المضي يكون قد انتصر على أصعب خصم يمكن أن يواجهه وهو الاستسلام.
لذلك، لا يجب أن نحكم على الحياة من عثرة، ولا على المستقبل من لحظة ألم، ولا على ذواتنا من تجربة لم تكتمل كما أردنا، فربما كان في التعثر حماية، وفي التأخير خير، وفي الخسارة رحمة، وفي السقوط بداية لصعودٍ لم نكن نستعد له.
إن الحياة تمضي، ولا يليق بالإنسان أن يبقى متوقفًا عند ما مضى، وما دام في القلب إيمان، وفي الروح قدرة على الصبر، وفي النفس رغبة صادقة في النهوض، فإن الطريق لا يزال مفتوحًا، والأمل لا يزال حاضرًا، والبدايات لا تزال ممكنة.
فليست كل عثرة نهاية، وليست كل خسارة هزيمة، وليست كل دمعة ضعفًا. بعض العثرات تعيد ترتيبنا، وبعض الخسارات تكشف لنا الطريق، ثم تمنحنا قدرة أجمل على الحياة.
ختاما: «امضِ إلى الأمام، ولو بخطوة مترددة؛ فربما كان أجمل ما في العمر لم يأتِ بعد».