د. عبدالحليم موسى
ليست الحقيقة دائماً هي الأكثر حضوراً في الوعي الجمعي، وليست الرواية الأكثر انتشاراً هي الأقرب إلى الواقع، فلكل حقيقة سرديات متعددة، تتشكل وفق زاوية النظر، وخلفية الراوي، ومصالحه وذاكرته التاريخية، وقدرته على الإقناع والتأثير، ومن هنا يصبح الإنسان أحياناً أسير السردية أكثر من كونه باحثاً عن الحقيقة؛ إنّ السردية ليست الحقيقة ذاتها، وإنما هي الكيفية التي تروى بها الحقيقة أو يعاد تشكيلها في أذهان الناس، ولذلك قد تحمل بعض السرديات جزءاً من الواقع، وقد تنحرف عنه حتى تتحول إلى بناء متخيل لا تدعمه الأدلة ولا تسنده الشواهد، بيد أنّ المفارقة الكبرى تكمن في أنّ الحقيقة، مهما كانت صلبة في بنيتها، قد تبدو ضعيفة في حضورها إذا لم تجد من يدافع عنها، بينما قد تصبح السردية الزائفة أكثر رسوخاً لأنها تمتلك أدوات الانتشار، وقوة التكرار، ومهارة التأثير في العواطف قبل العقول.
وقد أدرك الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور هذه الإشكالية حين قال: «كل حقيقة تمر بثلاث مراحل: أولاً تقابل بالسخرية، ثم تواجه بالمقاومة العنيفة، ثم تقبل باعتبارها أمراً بديهياً». ولا تعني هذه المراحل أنّ الحقيقة ضعيفة، وإنما تكشف عن طبيعة النفس البشرية التي تميل إلى مقاومة كل ما يهز قناعاتها الموروثة أو يفرض عليها إعادة النظر في مسلماتها، فالسخرية تكون في البداية وسيلة للتقليل من شأن الحقيقة، ثم تتحول إلى مقاومة كلما بدأت الأدلة تفرض حضورها، حتى يصبح إنكارها أكثر صعوبة من الاعتراف بها، فتغدو مع الزمن من البديهيات التي لا يلتفت الناس إلى أنها كانت يوماً موضع خلاف، وهذه إحدى مفارقات التاريخ؛ إذ إنّ كثيراً من الأفكار التي وصفت بالوهم أو الخيال أصبحت لاحقاً من المسلمات العلمية والاجتماعية، ومن ثم فإنّ الحقيقة لا تنتصر لأنها الأعلى صوتاً، بل لأنها الأقدر على الصمود أمام اختبار الزمن والتاريخ.
ولعل التاريخ الإنساني خير شاهد على ذلك، فما أكثر الأحداث التي استقرت في ذاكرة الشعوب بوصفها حقائق مطلقة، ثم كشفت الوثائق لاحقاً أنها لم تكن سوى سرديات صاغها المنتصرون، أو صنعتها الآلة الإعلامية، وكم من شخصية وصفت بالخيانة ثم أعاد التاريخ إليها اعتبارها، وكم من بطل صنعت له الأساطير حتى اكتشف الباحثون أنّ كثيراً مما نسب إليه لم يكن إلا نتاج الخيال الجمعي أو المبالغة التاريخية، وشخصية روبن هود أكبر شاهد على ذلك.
اليوم في عصر الذكاء الاصطناعي، دخلت الحقيقة مرحلة أكثر تعقيداً، فلم يعد التحدي يقتصر على التحقق من الأخبار أو كشف الشائعات، بل أصبح يمتد إلى التمييز بين الواقع وما تنتجه الخوارزميات من صور وأصوات ومقاطع مرئية ونصوص تحاكي الحقيقة بدرجة مدهشة، وأصبح من الممكن أن تصنع سردية كاملة خلال دقائق، مدعومة بأدلة مزيفة يصعب على غير المتخصص اكتشافها؛ لذلك لم يعد السؤال: هل هذه المعلومة صحيحة؟ بل أصبح: كيف أتحقق من صحتها؟ وهنا تتجلى أهمية التفكير النقدي، والتربية الإعلامية، والالتزام بالمنهج العلمي، لأنّ التقنية مهما بلغت دقتها لا تميز بين الحقيقة والزيف، وإنما تعكس الطريقة التي يستخدمها بها الإنسان.
وقد أشار المفكر الفرنسي جان بودريار إلى هذه الظاهرة عندما تحدث عن «الواقع الفائق»، حيث تصبح الصور أكثر تأثيراً من الواقع نفسه، فيعيش الإنسان داخل عالم تختلط فيه الحقيقة بالمحاكاة حتى يغدو التفريق بينهما أكثر صعوبة. ومن هنا، فإنّ أخطر ما يواجه الإنسان ليس الكذب الصريح، وإنما أنصاف الحقائق؛ فهي ترتدي ثوب الصدق، وتستند إلى جزء من الواقع، ثم تخفي الجزء الآخر، ولذلك قال الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون: «الحقيقة ابنة الزمن لا ابنة سلطة الإعلام .» فالحقيقة قد تحاصر وقد تشوه وقد
ينتقص منها، لكنها تستعيد مكانتها كلما انتصر الدليل على الضجيج، والمنهج على الانفعال، والعقل على الانحياز».
إنّ الوجه الآخر للحقيقة ليس الكذب بالضرورة، بل قد يكون رواية ناقصة، أو زاوية غابت عن الأنظار، أو صوتاً لم يتح له أن يسمع، ولذلك فإنّ مسؤولية الباحث، والمفكر والإعلامي في عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد تقتصر على نقل المعلومات، بل أصبحت تبدأ من التحقق منها، وتفكيك السرديات، وكشف مصادرها وتمكين الجمهور من التمييز بين الحقيقة وما يشبهها.
ويبقى الزمن مهما طال هو أعظم قاض بين الحقيقة والسردية، قد تتأخر الحقيقة وتحاصر، لكنها لا تموت، لأنها تستند إلى البرهان، أما السرديات الزائفة، مهما بلغت قوة انتشارها، فإنها تحتاج دائماً إلى التكرار حتى تبقى، بينما تكفي الحقيقة فرصة عادلة لتكشف عن نفسها.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يرافقنا يتمثل في هل ما أراه وأسمعه حقيقة؟ ففي زمن أصبحت فيه التقنية قادرة على محاكاة الواقع، لم يعد البحث عن الحقيقة ترفاً فكرياً، بل أصبح مسؤولية أخلاقية، وضرورة حضارية، وأحد أهم شروط بقاء الإنسان حراً في فكره، مستقلاً في حكمه، وصادقاً مع ذاته.