«الجزيرة» - وائل العتيبي:
في الأطاولة، لا يُفتتح الصيف بإعلان برنامج ترفيهي فحسب، بل تُفتح أبواب الذاكرة على مصراعيها. فبين الحصون الحجرية، والأزقة المتشابكة، والمسجد العتيق، وسوقٍ كان يومًا من أهم أسواق جنوب الجزيرة العربية، يبدأ التشغيل التجريبي للدورة التاسعة من مهرجان الأطاولة التراثي، ليقدم نموذجًا يتجاوز مفهوم المهرجان الموسمي إلى مشروع ثقافي يعيد إحياء المكان، ويمنح التاريخ فرصة جديدة ليتحدث بلغة الحاضر.
غير أن قيمة المهرجان لا تكمن في عدد فعالياته، بل في المكان الذي يحتضنه. فالأطاولة ليست قرية تراثية عادية، وإنما واحدة من أهم الحواضر التاريخية في منطقة الباحة، وموطنٌ تشكلت فيه ملامح الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية عبر قرون طويلة.
لقد اكتسبت الأطاولة مكانتها التاريخية بفضل احتضانها سوق ربوع قريش، الذي لم يكن فضاءً للتبادل التجاري فحسب، بل كان منبرًا لاجتماع القبائل، وتبادل المعرفة، وعقد الاتفاقات، وصناعة القرار الاجتماعي، في زمن كانت الأسواق تؤدي دور المؤسسات الثقافية والسياسية إلى جانب دورها الاقتصادي.
ويقع هذا الإرث في قلب مشهد طبيعي استثنائي، حيث تتوسط الأطاولة وادي قريش بين جبلين شامخين، في موقع فرض على الإنسان أن يبتكر حلولًا عمرانية تتناغم مع التضاريس القاسية، فحوّل الحجر إلى لغة معمارية، والجبل إلى فضاء للحياة.
وتكشف مباني الأطاولة عن مستوى متقدم من الفهم العمراني؛ فقد شُيدت من أحجار الجرانيت والبازلت، بأسقف خشبية مغطاة بالطين، في تكوين حافظ على تماسكه عبر مئات السنين. ويضم النسيج العمراني نحو 29 مبنىً تراثيًا، تتوسطها حصون شامخة، أبرزها حصن دماس، وحصن آل عثمان، وحصن المشيخة، التي لم تكن مجرد أبراج للمراقبة، بل كانت تعبيرًا عن منظومة أمنية واجتماعية متكاملة، تحمي الإنسان قبل أن تحمي المكان.
وفي قلب القرية يقف المسجد التاريخي شاهدًا على البعد الروحي للمجتمع، ببنائه الحجري، وسقفه المشيد من جذوع العرعر، ومرافقه البسيطة التي تكشف كيف استطاعت العمارة التقليدية أن تحقق أعلى درجات الكفاءة بأبسط الإمكانات، قبل أن يخضع المسجد لأعمال ترميم حافظت على هويته الأصيلة.
ومن هنا يكتسب مهرجان الأطاولة التراثي أهميته الحقيقية؛ فهو لا يكتفي بعرض الحرف التقليدية، والفنون الشعبية، والأسر المنتجة، والعروض الثقافية، بل يعيد تشغيل الذاكرة الجمعية للمكان، ويمنح الزائر فرصة لأن يعيش تفاصيل الحياة القديمة، لا أن يكتفي بمشاهدتها.
ويعكس هذا التوجه التحول الذي تشهده المملكة في إطار رؤية 2030، حيث لم يعد الحفاظ على التراث يقتصر على ترميم المباني التاريخية، بل أصبح جزءًا من مشروع وطني أوسع لبناء اقتصاد ثقافي مستدام، يستثمر في الهوية، ويدعم السياحة، ويوفر فرصًا للحرفيين ورواد الأعمال، ويعيد دمج المواقع التاريخية في الحياة اليومية بوصفها مراكز للإبداع والإنتاج.
ففي الأطاولة، لا يُزار التراث... بل يُعاش.