طوتك يا سعدٌ أيامٌ طوت أمماً
كانوا فبانوا وفى الماضين مُعتبرُ
هكذا هي الحياة؛ تمضي الأيام، وتنطوي صفحات الأعمار، ومهما طال بالإنسان عمره فلا بد أن يبلغ أجله، مصداقًا لقوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ}. وقد أحسن الشاعر حين قال:
وما المرءُ إلا راكبٌ ظهرَ عُمرِه
على سَفرٍ يفنِيه باليومِ والشهرِ
يبيتُ ويُضـحي كـلَ يومٍ وليلةٍ
بعيداً عن الدنيا قريبـاً من القبرِ
فقد اطلعت على قصيدة الأديب الشاعر الأستاذ عبدالله بن سعد الغانم المنشورة في صحيفة الجزيرة يوم الأربعاء 10 من ذي الحجة 1447هـ بعنوان «رحل الأب الغالي»، كما قرأت مقالته المنشورة في الصحيفة نفسها يوم الثلاثاء 16 من ذي الحجة 1447هـ بعنوان «بأبي الغالي الراحل تطيب الحروف»، فوجدت فيهما من صدق المشاعر، وحرارة العاطفة، ووفاء الابن البار لوالده، بما لامس النفس وأثار الشجن. وقد أبرز فيهما جانبًا من مناقب والده، وسمو أخلاقه، وطيب شمائله، فلم أجد إلا أن أشارك بهذه الكلمة وفاءً للفقيد، ودعاءً له بالمغفرة والرحمة.
كيْفَ البَقَاءُ وَبَابُ المَوْتِ مُنْفَتِحٌ
وَلَيْسَ يُغْلَقُ حَتَّى يَنْفَدَ البَشَرُ
ففي الآونة الأخيرة ودّعت مدينة تمير أحد رجالها الصالحين وهو الشيخ سعد بن محمد الغانم، الذي انتقل إلى رحمة الله تعالى بعد عمر مديد في طاعة الله وذلك يوم السبت 22-11-1447هـ، وتمت الصلاة عليه بعد صلاة عصر يوم الأحد 23-11-1447هـ بجامع الديرة بتمير، ثم ووُرِيَ الثرى في مقبرة تمير في أجواء حزن وأسى على رحيله، وقد أدى الصلاة عليه جمع غفير من أقاربه ومحبيه ومعارفه.
ولقد كانت ولادته في تمير عام 1357هـ تقريبا وعاش حياة كريمة مكافحاً معتمداً على نفسه ومتوكلا على الله في طلب الرزق رغم صعوبة الحياة في تلك الأيام..
وإنّما رجلُ الدُّنيا وواحِدُها
من لا يعوِّلُ في الدُّنيا على (أَحدِ)
وعمل في بداية حياته في الزراعة في تمير وفى بعض البلدان القريبة منها، وبعد افتتاح مستشفى تمير عام 1382هـ تقريباً التحق بالعمل به، وكان أميناً يقوم بعمله بكل جد وإخلاص، محبوباً لدى زملائه وعطوفاً على المرضى والمراجعين يقوم بمساعدتهم والعطف عليهم وخاصه الذين يقدمون من خارج تمير.
وكان - رحمه الله - باراً بوالديه واصلاً لرحمه محباً للخير وداعياً إليه، كافلاً للأيتام ومشاركاً في تفطير الصائمين، رحيماً عطوفاً على الفقراء والمساكين والضعفة، يحب الصغار ويحبونه ويمنحهم ما يدخل السرور عليهم. وقد ابتلى بفقد البصر في سنواته الأخيرة وظل صابراً محتسباً - وخلف ذريه صالحه بنين وبنات.
قَضَيتَ حَياةً مِلؤُها البِرُّ وَالتُقى
فَأَنتَ بِأَجرِ المُتَّقينَ جَديرُ
وكانت معرفتي بالفقيد امتدادًا لمعرفتي الوثيقة بابنه الأديب الشاعر الأستاذ عبدالله بن سعد الغانم، أحد أبناء تمير الأوفياء، الذي عُرف بحضوره الأدبي المتميز، وبقلمه الذي واكب كثيرًا من المناسبات الوطنية والاجتماعية والأسرية. وقد زخرت صفحات صحيفة الجزيرة بمقالاته وقصائده، التي وثق بها أحداثًا ومناسبات متنوعة مشيدًا بمن يستحق الإشادة، ولم تخلُ كتاباته من توجيهاتٍ نافعة ونصائح حكيمة، جسّدت رسالة الأديب الصادق في خدمة مجتمعه، وتعزيز قيم الوفاء والانتماء.
ففي زيارتنا السنوية إلى مدينة تمير لزيارة العم عبدالله بن ظاهر الخريف -رحمه اللّه- وحضور جائزة الشيخ إبراهيم بن عبدالمحسن السلطان السنوية للتفوق والإبداع التي انطلقت منذ عام 1417هـ قبل ثلاثين عاماً كانت تتجدد لقاءاتنا، وكان للأستاذ عبدالله إسهام ومشاركات شعرية في مناسبات الجائزة، وتظهر براعته الأدبية وتمكنه الشعري في وضوح اللفظ وسلاسة الأسلوب والبعد عن التكلف، فقصائده تجرى على اللسان عذبة مفهومة يحتفى بها القارئ دون أن يخلّ بجزالة الوزن ومكانة القافية في الشعر العربي الأصيل.
تغمد الله الفقيد بواسع رحمته وألهم أبناءه وبناته وأسرة الغانم ومحبيه جميل الصبر والسلوان.
خلَّفتَ في الدنيا بيانًا خالدًا
وتركتَ أجيالًا من الأبناءِ
وغدًا سيذكرك الزمانُ، ولم يَزلْ
للدَّهرِ إِنصافٌ وحسنُ جزاءِ
** **
- عبدالعزيز بن عبدالرحمن الخريف