حين نتحدث عن استضافة المملكة العربية السعودية لكأس العالم 2034، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو الملاعب الحديثة، والبنية التحتية، والمشروعات العملاقة، والحشود القادمة من مختلف أنحاء العالم. لكن السؤال الحقيقي ليس: هل نحن مستعدون لاستقبال العالم؟ بل: هل نحن مستعدون لصناعة إرث يبقى بعد أن يغادر العالم؟
فالأحداث الرياضية الكبرى لا تُقاس بما يحدث أثناء البطولة فقط، وإنما بما تتركه من أثر اقتصادي واجتماعي ومعرفي يمتد لعقود.
وفي هذا المشهد، تبرز المرأة السعودية بوصفها أحد أهم عناصر هذا الإرث.
إن وجود المرأة في كأس العالم لا ينبغي أن يقتصر على مدرجات المشجعين، بل يجب أن يمتد إلى مواقع القيادة، والتنظيم، والإدارة، والإعلام، والتطوع، والتدريب، والتأهيل، والطب الرياضي، والضيافة، وإدارة الفعاليات، وريادة الأعمال. فكل هذه المجالات تمثل فرصًا حقيقية لبناء خبرات وطنية ستبقى بعد إسدال الستار على البطولة.
اليوم تمتلك الشابات السعوديات فرصة استثنائية قد لا تتكرر في العمر المهني. فمن الآن وحتى عام 2034، هناك سنوات يمكن استثمارها في اكتساب اللغات، والحصول على الشهادات المهنية، وتنمية المهارات القيادية، واكتساب الخبرة العملية، والعمل التطوعي في البطولات المحلية والدولية. فهذه التجارب الصغيرة هي التي تصنع الكفاءات القادرة على إدارة أكبر حدث رياضي في العالم.
كما أن كأس العالم سيخلق طلبًا متزايدًا على المتخصصات في مجالات متعددة، مثل إدارة الفعاليات الرياضية، والعلاقات الدولية، والإعلام الرقمي، والتسويق الرياضي، والعلاج الطبيعي، والتغذية الرياضية، والأمن والسلامة، وخدمة الزوار، والابتكار التقني. وهذه ليست وظائف مؤقتة، بل مسارات مهنية يمكن أن تستمر سنوات طويلة بعد انتهاء البطولة.
ومن جانب آخر، فإن الحدث يمثل فرصة غير مسبوقة لرائدات الأعمال. فالمشروعات الصغيرة والمتوسطة في مجالات السياحة، والرياضة، والتقنية، والمنتجات الوطنية، والخدمات الإبداعية، ستكون جزءًا من الاقتصاد المصاحب للبطولة. وهنا تصبح المبادرة اليوم استثمارًا في سوق الغد.
لكن النجاح لن يتحقق بالحماس وحده، بل بالاستعداد المبكر. فكل شهادة تُكتسب، وكل مهارة تُطور، وكل لغة تُتقن، وكل تجربة تُخاض، هي خطوة نحو أن تكون المرأة السعودية شريكًا في صناعة حدث عالمي، لا مجرد متفرجة عليه.
إن كأس العالم 2034 ليس بطولة تستمر بضعة أسابيع، بل مشروع وطني طويل المدى، وفرصة تاريخية لإبراز الكفاءات السعودية أمام العالم. ويبقى السؤال الذي ينبغي أن تطرحه كل شابة على نفسها منذ اليوم:
ماذا سأقدم لكأس العالم... وماذا سيضيف كأس العالم إلى مسيرتي؟
فالإرث الحقيقي لا تصنعه الملاعب، بل يصنعه الإنسان.
** **
د. نورة عبدالله العمراني - متخصصة في الإدارة الرياضية والتأهيل والتدريب، ومحاضرة في البرامج والدورات المهنية، وتطوير الكفاءات في القطاع الرياضي.