إن موت الأحبة والنبلاء لا يعني موت المبادئ، وغياب الأشخاص لا يعني غياب الرسالة والقيم؛ فمن كان يعمل لله فالله حي لا يموت، ومن كان يسير في طريق الحق فإن الطريق باقٍ إلى قيام الساعة.
قال الحق تبارك وتعالى:
{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ}. [آل عمران: 144]
إن من أعظم المواقف التي ينبغي أن تستحضر عند فقد العظماء، أو العلماء، أو الوالدين، أو الأحبة، موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه يوم وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقد كان المصاب أعظم مصيبة نزلت بالأمة، حتى قال أنس بن مالك رضي الله عنه:
«لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء». (رواه الترمذي وصححه جمع من أهل العلم).
ومع هول الفاجعة، لم يدع أبو بكر رضي الله عنه الحزن يشل الأمة، بل ثبتها بأعظم كلمات في تاريخها، فقال:
«أما بعد، فمن كان منكم يعبد محمدًا، فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت».
ثم تلا قول الله تعالى:
{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ}. [آل عمران: 144]
فكانت هذه الكلمات سببًا في رد الأمة إلى كتاب ربها، وإلى الثبات على دينها، وإلى مواصلة الرسالة التي جاء بها نبيها صلى الله عليه وسلم.
ومن هنا يقال لكل من فقد أبًا، أو أمًا، أو ولداً (من البنات والبنين) أو قريباً أو عالمًا، أو قائدًا، أو محسنًا، أو صديقًا عزيزًا:
لقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو خير الخلق، ثم سار الصحابة من بعده، وفتح الله بهم البلاد، ونشر بهم الإسلام، وأتم الله بهم النعمة، لأن الدعوة ليست مرتبطة بشخص أو رمز، وإنما هي مرتبطة برب العالمين جل جلاله وعمّ نواله وتقدست أسماؤه وصفاته الحي الذي لا يموت.
ولذلك كان من وصايا النبي صلى الله عليه وسلم:
«فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ».
فدل ذلك على أن الخير يستمر، وأن الأمة لا تتوقف بموت أحد، مهما علا قدره.
إن الوفاء الحقيقي للراحلين ليس في دوام الحزن عليهم، وإنما في إحياء ما كانوا يدعون إليه من طاعة الله، وإكمال مسيرة الخير التي أفنوا أعمارهم فيها.
فمن أحب عالمًا فليحمل علمه، ومن أحب داعية فليواصل دعوته، ومن أحب والده أو أمه أو أحد من أولاده بنين وبنات فليكثر من الدعاء لهما، وليسر على طريق البر الذي فارقهم عليه ورسموه في حياتهم وعبدوا ربهم حتى أتاهم اليقين.
فالرجال يرحلون، والدعوات تبقى، والأجساد تفنى، والعمل الصالح يبقى، والله سبحانه هو الباقي الذي لا يموت.
نسأل الله أن يرزقنا عند المصائب ثبات أبي بكر، ويقين عمر، وصبر الصحابة رضي الله عنهم، وأن يجعل فقد الأحبة باعثًا على زيادة الإيمان والعمل، لا سببًا للفتور والانقطاع، وأن يجمعنا بمن نحب في جنات النعيم تحت لواء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. آمين.
***
- عبدالرحمن بن عبدالله الشهري