منذ نهاية الموسم الماضي، والسؤال يتكرر في كل مجلس ومنصة وبرنامج رياضي: هل ينجح سيموني إنزاغي مع الهلال أم يفشل؟ وربما كان هذا هو السؤال الخطأ.! لأن الحكم على أي مدرب لا يبدأ من اسمه، ولا من تاريخه، ولا حتى من نتائجه الأولى، وإنما من معرفة المهمة التي جاء من أجلها. فلا يمكن أن نقيس النجاح قبل أن نتفق على تعريفه. فهل تعاقد الهلال مع إنزاغي ليبني مشروعًا طويل الأمد؟ أم ليعيد لقب الدوري مباشرة؟ أم ليستعيد الهيبة الآسيوية؟ أم ليصنع فريقًا ينافس على كأس العالم للأندية؟ أم ليقدم كرة مختلفة عالمية تليق بصورة الهلال؟ لكل هدف أدواته، ولكل هدف معيار مختلف للحكم.
لكن الهلال نادٍ لا يمنح ترف الفصل بين هذه الأهداف. هنا تُطلب البطولات مع الأداء، والهيمنة مع النتائج، والهوية مع الألقاب. ولذلك يصبح كرسي التدريب في الهلال من أصعب المقاعد في آسيا، لأن المطلوب ليس الفوز فقط، بل الفوز بالطريقة التي تشبه الهلال.
في الموسم الماضي خسر الفريق دوري أبطال آسيا للنخبة مبكرًا، ثم فقد لقب الدوري بقرار انزاغي، ولذلك فمن الطبيعي أن تتراجع الثقة، وأن يصبح أي تعثر في المباريات التحضيرية سببًا لموجة جديدة من القلق. غير أن هذه المخاوف، على مشروعيتها، لا تجيب عن السؤال الحقيقي.
السؤال ليس: هل إنزاغي مدرب جيد؟ الإجابة عن ذلك موجودة في سيرته. رجل قاد إنتر ميلان إلى المنافسة على أعلى المستويات، وأقصى برشلونة وبايرن ميونخ، ووصل إلى النهائيات أكثر من مرة، وما فعلة الهلال مع مانشستر تلك الفجرية، لا يحتاج إلى شهادة جديدة في كفاءته الفنية. السؤال الحقيقي هو: هل أصبح إنزاغي يعرف الهلال؟ ليس أسماء لاعبيه، وإنما فلسفته وشخصيته.. هل أدرك أن هذا النادي لا يحتفل بالمركز الثاني؟ وأن جماهيره لا تقيس الموسم بعدد المباريات الجميلة، ولكن بعدد الكؤوس؟ وهل فهم أن لاعب الهلال لا يحتاج دائمًا إلى تعليم مهارة جديدة، بقدر ما يحتاج إلى من يوقظ فيه عقلية البطل التي صنعت تاريخ هذا النادي؟
هل أجاد معرفة مفاتيحهم. ومن منهم يحتاج إلى الثقة، ومن يستفزه التحدي، ومن يستطيع أن يقلب المباراة، ومن يحتاج إلى دور يعيد إليه قيمته. المدرب الكبير لا يرى النجوم كما هم، بل يعرف كيف يخرج المارد الكامن فيهم.! هنا يبدأ التحدي الحقيقي.
لقد انتهى الموسم الأول، وانتهت معه مرحلة التعرف والاكتشاف. اليوم يدخل إنزاغي عامه الثاني وهو يعرف الدوري، ويعرف منافسيه، ويعرف غرفة الملابس، ويعمل ضمن ادارة نادي جديدة ممثلة في الأمير الوليد و إدارة كرة أجنبية متكاملة جاءت لتمنحه بيئة أكثر استقرارًا وانسجامًا. لم تعد هناك حواجز اللغة، ولا مفاجآت البطولة، ولا مبررات البدايات. ولهذا، فإن الموسم الجديد لا يختبر معلومات إنزاغي، سيختبر قدرته على تحويلها إلى فريق.
السنة الأولى كانت لاكتشاف الهلال، أما السنة الثانية فهي لاكتشاف إنزاغي نفسه.
هل هو المدرب الذي يعرف كيف يحول الضغط إلى بطولة؟ هل يستطيع أن ينتقل من مدرب يجيد الوصول إلى النهائيات إلى مدرب يحسن الفوز بها؟ هل يصنع فريقًا يشبه الهلال، أم يظل الهلال يحاول أن يشبه أفكاره؟
لا يزال الرهان عليه قائمًا، وليس من الإنصاف إغلاق الباب مبكرًا. لكن هذا الرهان لم يعد مجانيًا. على إنزاغي أن يدفع ثمنه عملًا، وشخصية، وبطولات.. لقد انتهى وقت التعلّم يا إنزاغي. الآن حان وقت أن تجعلهم يعتذرون لك ويقولون: لقد استعجلنا الحكم عليك.. انت للهلال قوي أمين!.
هناك مدربون يجعلون الأندية تشبه أفكارهم، وهناك مدربون يذوبون في هوية الأندية التي يقودونها. أما العظماء، فهم الذين يلتقون مع هوية النادي فيصنعون نسخة أفضل منه، دون أن يفقد ملامحه. هذا هو التحدي الذي ينتظر إنزاغي.
حتى الآن، لا تقول مباريات معسكر الهلال إن هناك تحولًا كبيرًا. لا ملامح فكر جديد واضحة، ولا فريق يبدو أنه استوعب أخطاءه، ولا إحساس بأن الهلال يتجه إلى نسخة لا تُقهر. وربما تكون المباريات الودية خادعة، وربما يخفي المدرب كثيرًا من أفكاره، لكن جماهير الهلال لا تنظر إلى المظهر وحده؛ إنها تبحث عن إشارات، عن هوية، عن شيء يقول لها إن الموسم الماضي لن يتكرر
ولذلك، لا أبحث عن إجابتي اليوم في مباراة ودية، ولا في انطباع معسكر، ولا في عنوان متداول على وسائل التواصل. سأبحث عنها عندما يبدأ الموسم، وعندما أرى هل أصبح الهلال يلعب بعقلية الهلال أم لا يزال يبحث عن نفسه..؟ هل يحصد النقاط ولا يفرط بها.؟! عندها فقط، سيكون السؤال قد تغير. ولن نسأل: هل نجح إنزاغي؟ سنسأل: هل أصبح إنزاغي مدربًا للهلال كما يجب وكما نحب؟.
***
- خالد الباتلي