أنا وكثير من أبناء جيلي شكّل تعلم اللغة الإنجليزية هاجساً حقيقياً، فالنسيج الاجتماعي في معظم المدن السعودية كان عربياً خالصاً، ولم تكن الإنجليزية تُطرق أسماعنا إلا داخل حوائط الفصل الدراسي، لذا كنا نحفظ الكلمات كما ينطقها المدرس، لا كما يجب أن تُفهم أو تُستوعب. كنا نردد خلف مدرس الإنجليزي بكل ثقة وبراءة مفرطة عبارة: «الوشم استريت»، ولا نعرف معنى كلمة «استريت»، ولا علاقة «الوشم» بالموضوع أصلًا، كان همّ الواحد منا أن ينطق الكلمة كيفما اتفق ليصل إلى نهاية الحصة بسلام، أما معناها فتلك قضية مؤجلة إلى أجل غير مسمى تتكفل بها الأيام أو الصدف وحدها، وقبل دخول غرف الاختبارات، كانت النصائح والوصايا تأتينا من زميلنا «رشدان» الذي كنا نراه ضليعاً في لغة الخواجات، وكانت وصيته الأبرز والاختزال الأعظم لكل علوم العصر: «اكتب الإجابة من النقطة إلى النقطة»، ونحن نطبقها بحذافيرها كأننا نفك أسرار المفاعلات النووية.
تذكرت «الوشم استريت» ومدرس اللغة والدافور «رشدان» وأنا أقرأ بتمعن عزم لجنة الانتخابات إخضاع المرشحين لرئاسة الاتحاد السعودي لكرة القدم لمقابلات مباشرة ومطولة باللغة الإنجليزية في عدة مجالات تخصصية في القانون والقيادة، وعدم الاكتفاء أبداً بالشهادات أو الدورات التدريبية المقدمة لإثبات هذا الشرط، بل التأكد بنفسها وبشكل مباشر أن المرشح «يعرف يرطن إنجليزي» تحدثاً وكتابة بجدارة تامة، وهنا يجد المرء نفسه أمام مفارقة عجيبة تجعل العقل يتقلب على جمر السخرية، فنحن لسنا أمام لجان اختبارات تحديد مستوى لغات في معهد بريطاني عتيق، بل أمام انتخابات مصيرية لاختيار رئيس مؤسسة رياضية كبرى
إن العاقل يتفهم تماماً أهمية أن يجلس المرشح أمام لجنة تتأكد من قدرته على التواصل الإنساني مع العالم الخارجي، بل إن الأجدر باللجنة أن تطيل الجلوس معه في اختبارات حقيقية تسأله عن كيفية زيادة الإيرادات وخفض المصروفات، وعن آليات التعامل مع الأزمات المالية والإدارية المعقدة، وعن طريقته في ترك المؤسسة أفضل بكثير مما استلمها، وعن هندسة مستقبل كرة القدم السعودية بأكملها، فهذه الأسئلة الجوهرية والخطط الإستراتيجية هي التي تبقي آثارها الإيجابية لسنوات طوال في جسد الرياضة، بل هي التي تصنع الفارق الحقيقي على أرض الواقع، أما اللغة الأجنبية وملحقاتها فيمكن لأي إنسان جاد أن يتعلمها ويتيّقن منها في أشهر معدودة إذا امتلك الرغبة الصادقة والدافع الحقيقي، لا أن تحول لجان الانتخابات إلى مجرد قاعات تفتيش لغوي تترك جوهر الإدارة وتتشبث بالقشور العابرة.
أقول ذلك وأنا وأبناء جيلي تقلدنا مناصب قيادية في مؤسسات حكومية وأخرى خاصة بينما رشدان تقاعد وهو موظف وسلامتكم.
** **
- د. ذياب الحجيلي
الوشم Street
@TheyabAlhejaili