تستعد المملكة لاستضافة كأس آسيا 2027 مطلع العام المقبل. ويمكن النظر إلى هذه البطولة بأنها فرصة ثقافية كبرى ضمن إطار حدثٍ رياضي. فمثل هذه البطولات القارية لا تقف فاعليتها عند حدود الملعب ولا تنتهي بصافرة حكم المباراة بل تمتد إلى محيط الملاعب والفضاء العام والمعالم البارزة ومواقع التواصل الاجتماعي. وهنا تبرز أهمية حضور الجهات الثقافية المعنية، وفي مقدمتها وزارة الثقافة، بالتكامل مع وزارة الرياضة، لتقديم صورة حيّة عن الثقافة السعودية، وفي الوقت نفسه فتح مساحة للتعريف بثقافات الدول الآسيوية المشاركة من شرق آسيا وجنوبها ووسطها وغربها.
ويبدأ الحضور الثقافي قبل انطلاق البطولة عبر تسليط الضوء إعلاميًا على ما تحمله من أبعاد ثقافية، والتعريف المبكر بالمواقع التي ستقام فيها تلك الأنشطة. فتهيئة هذه الأماكن، وإبرازها عبر الإعلام والمنصات الرقمية، يجعل الثقافة جزءًا من الترقب للبطولة.
إن اللمسات الفنية والجمالية التي يشاهدها العالم في كأس العالم 2026، تجعل من كرة القدم تجربة جماهيرية كبيرة تتداخل فيها الرياضة مع الثقافة. وبذلك يمكن تحويل كأس آسيا 2027 إلى تجربة سعودية فريدة من نوعها عبر جعل الثقافة جزءًا من تجربة الجماهير الرياضية الكاملة الحاضرة للبطولة سواءً قبل المباراة أو داخل الملعب أثناء المباراة أو بعد نهايتها.فقبل المباراة يمكن أن تحضر العروض الأدائية والفنون الموسيقية والحرف اليدوية في ساحات حول الملعب. أما داخل الملعب، فيمكن أن تظهر الرموز البصرية والعروض الفلكلورية والموسيقى السعودية، وبعد المباراة يمكن أن تمتد التجربة إلى المدن والفعاليات الثقافية المصاحبة.وتمتلك المملكة اليوم قطاعات ثقافية قادرة على إثراء مثل هذا الحدث القاري: كالتراث والآثار والمتاحف والفنون الأدائية والموسيقى والأزياء وفنون الطهي والمسرح والفنون البصرية والأفلام والأدب والتصميم. وكل قطاع من هذه القطاعات الثقافية يستطيع أن يقدم فصولًا من الحكاية السعودية بطريقة حية يراها الزائر ويعيشها ويتذوقها ويتذكرها. فمشجع قادم من شرق آسيا أو وسطها يخرج من المباراة بمعرفة النتيجة لكنه في الوقت نفسه يحمل معه أيضًا ذكرى عن القهوة السعودية أو العرضة النجدية أو الخط العربي أو الأزياء التقليدية أو فنون الطهي أو جماليات العمارة المحلية.
والأجمل في هذا الحدث الرياضي أن كأس آسيا لا تُتيح فرصة لإبراز الثقافة السعودية فقط بل إنها تتيح أيضًا بناء مساحة ثقافية آسيوية مشتركة. فآسيا قارة واسعة في لغاتها وآدابها وتراثها وإرثها التاريخي وأطعمتها وملابسها وموسيقاها وأساليب تشجيع جماهيرها. ومن هنا ستتحول البطولة إلى ملتقى ثقافي قاري، تتعرف فيه الشعوب على بعضها البعض.وبهذا المعنى، يمكن أن يكون كأس آسيا 2027 بطولة تترك أثرها في ذاكرة الزوار من خلال رسم صورة حية عن المملكة وعن آسيا، وعن قدرة كرة القدم على أن تكون جسرًا للتعارف بين الشعوب.إنها فرصة لنروي حكاية المملكة العربية السعودية.
** **
د. حمد بن محمد السمرين - باحث في الإذاعة والتلفزيون