قبل أن تبدأ صافرة الجولة الأولى في 13 أغسطس، يفترض أن يكون الشارع الرياضي قد دخل في حالة ترقب، وأن تكون الحكايات قد بدأت تتشكل، والأسئلة قد امتلأت بها المجالس، والتوقعات قد صنعت نبض الموسم الجديد.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل نشعر فعلًا أن دوري روشن على الأبواب؟ فرغم إعلان موعد الانطلاق وجدول المنافسات، لا يبدو أن المزاج الرياضي يعيش تلك الحالة التي اعتدنا أن تسبق المواسم الكبيرة.
لسنا نتحدث عن حملة إعلانية أو وسم في منصات التواصل، وإنما عن إحساس عام بأن موسمًا استثنائيًا يقترب.
موسم يأتي هذه المرة في سياق مختلف، لأنه لا يقف وحده، حيث يتقاطع مع استحقاقات خليجية وآسيوية للمنتخبات، ما يجعل كل قرار فني، وكل دقيقة لعب، وكل إصابة، ذات أثر يتجاوز حدود النادي إلى المنتخب. ومع ذلك، تبدو الصورة ضبابية أكثر مما ينبغي.
فالمشهد يبدأ من أعلى الهرم. اتحاد الكرة يدخل هذه المرحلة دون رئيس، لتصبح رابطة الدوري هي الواجهة الأولى للموسم، والمسؤول الأكبر عن صناعة الزخم، وتقديم رسالة واضحة بأن الدوري لا يبدأ فقط بإعلان الجدول، وإنما يبدأ بصناعة قصة كاملة تجعل الجميع يشعر أن شيئًا مختلفًا ينتظرهم. لكن أين هذه القصة؟
الأندية نفسها لا تساعد كثيرًا. بعضها ما زال يبحث عن مدرب، وآخر يلاحق لاعبين، وثالث يعيش إشكالات إدارية أو مالية، ورابع لم يستقر حتى على قائمته الأساسية. وكأننا اعتدنا أن يبدأ الدوري بينما الأندية لا تزال في مرحلة التأسيس، ثم نمنحها شهرًا أو شهرين لتكتمل، قبل أن نحكم عليها. وهنا يبرز السؤال المنطقي: لماذا أصبحت البداية عندنا مرحلة لإصلاح الأخطاء، وليست مرحلة لجني ثمار الإعداد؟ إذا كانت الأندية تحتاج إلى الأسابيع الأولى حتى تستقر، فما معنى أشهر الإعداد التي سبقت الانطلاق؟ ومن الأسئلة التي تستحق النقاش أيضًا استمرار سوق الانتقالات بعد انطلاق المنافسة.
صحيح، أن كثيرًا من الدوريات العالمية تبدأ قبل إغلاق السوق، لكن تلك الدوريات تدخل الموسم بهياكل مستقرة، بينما لا تزال أنديتنا في كثير من الأحيان تعيش تغييرات جوهرية في المدربين والمحترفين حتى بعد عدة جولات.
النتيجة أن المدرب يبدأ بتشكيلة، ثم ينهي الشهر الأول بتشكيلة مختلفة، فيفقد الدوري جزءًا من استقراره الفني، وتفقد المنافسة شيئًا من عدالتها. ثم هناك الأندية الصاعدة. هذه الأندية لا تصعد لتكون مجرد رقم يكمل الجدول، تصعد لتضيف قصة جديدة للمسابقة.
والسؤال هنا: ماذا قدمت الرابطة لها؟ وهل حصلت على الدعم التسويقي والتنظيمي والإعلامي الذي يساعدها على الدخول في أجواء دوري مختلف تمامًا عن دوري الدرجة الأولى؟ نجاح الأندية الصاعدة ليس مصلحة لها وحدها، بل مصلحة للدوري كله، لأن المنافسة الحقيقية تبدأ عندما يصبح كل ملعب قادرًا على مفاجأة الكبار.
أما التحكيم، فهو الملف الذي يدخل كل موسم مثقلًا بالشكوك قبل أن تُلعب أول مباراة. فما زالت الأندية تتعامل معه باعتباره خصمًا أكثر من كونه جزءًا من اللعبة، وما زالت الاعتراضات تبدأ قبل صافرة البداية وتنتهي غالبًا ببيانات وتصريحات ولجان.
والأكثر إرباكًا أن المشهد لا يوحي بوجود نقلة نوعية؛ فالأسماء المحلية تتكرر، والوجوه الأجنبية أيضًا لم تعد تضيف ذلك الفارق الذي كانت الجماهير تنتظره، حتى أصبح استقدام الحكم الأجنبي في كثير من الأحيان لا يضمن جودة أعلى، إنما يضيف اسمًا جديدًا إلى قائمة الجدل.
وإذا كانت الأخطاء التحكيمية جزءًا طبيعيًا من كرة القدم، فإن تكرارها، مع غياب الإقناع والشفافية والتقييم الواضح، يجعل كل جولة تبدأ بنقاش فني وتنتهي بقضية تحكيمية، وكأن المنافسة الحقيقية أصبحت خارج المستطيل الأخضر.
ولا يتوقف الأمر عند الأندية. الجماهير أيضًا تبحث عن الجديد. هل سنرى ملاعب أكثر جاهزية؟ هل تحسنت تجربة المشجع منذ خروجه من منزله حتى عودته إليه؟ ماذا عن النقل التلفزيوني؟ وزوايا التصوير؟ والتحليل الفني؟ والتقنيات؟ والتحكيم؟ والرسائل الإعلامية؟ وكل التفاصيل الصغيرة التي تصنع في النهاية منتجًا كبيرًا؟
الجمهور لم يعد يقارن دوري روشن بما كان عليه قبل خمس سنوات، يقارنه بأفضل التجارب العالمية. ولذلك فإن النجاح اليوم لا يقاس فقط بقيمة اللاعبين، وإنما بجودة التجربة التي يعيشها المتابع في الملعب وعلى الشاشة.
دوري روشن لم يعد بطولة محلية عادية. أصبح مشروعًا رياضيًا يحمل اسم المملكة إلى العالم، ويعيش تحت أنظار جمهور دولي، ويملك من الإمكانات ما يجعله قادرًا على تقديم نسخة مختلفة كل موسم.
لكن هذه المكانة تفرض مسؤولية أكبر؛ فكل موسم جديد يجب أن يبدأ بإحساس جديد، لا بمجرد جدول مباريات. ولهذا، فإن الأيام المتبقية قبل 13 أغسطس ليست مجرد عد تنازلي لبداية المنافسة، هي فرصة أخيرة لصناعة الموسم قبل أن تبدأ صافرة الحكم. فالناس لا تتذكر عادة موعد انطلاق الدوري.. ولكنها تتذكر كيف بدأ.
** **
- خالد الباتلي