ليس من الإنصاف أن ننكر ما للإعلام الرياضي من حضور وتأثير، ولا أن نقلّل من أهمية دوره في صناعة الرأي ومواكبة الأحداث وإثراء المشهد الإعلامي، لكن من حقنا في المقابل أن نتساءل: لماذا يبدو الإعلامي الرياضي في كثير من الأحيان أكثر حظاً في الرعاية والتسهيلات والفرص والحوافز من زملائه في مجالات إعلامية وكتابية أخرى؟
السؤال هنا لا يستهدف الإعلام الرياضي، بقدر ما يفتح باباً للنقاش حول ميزان الاهتمام داخل المشهد الإعلامي.
الإعلامي الرياضي يقف خلفه جمهور كبير، والجمهور في الرياضة ليس مجرد متابع عابر، بل قوة حاضرة ومؤثرة. هناك مشجعون، وأندية، ومنصات، وحسابات جماهيرية، ومساحات يومية للنقاش، وبرامج لا تتوقف، وأحداث متلاحقة تجعل اسم الإعلامي الرياضي متداولاً بصورة مستمرة.
وحين يكتب أو يتحدث أو ينتقد، فإن صوته يجد من يردده، ومن يناقشه، ومن يدافع عنه، وربما من يحول قضيته إلى رأي عام.
وهنا تتشكل بصورة غير مباشرة مساحة من القوة الإعلامية يمكن أن تشبه «الحصانة المعنوية»، ليس بالضرورة حصانة رسمية أو نظامية، وإنما حصانة يصنعها الحضور والجماهيرية والقدرة على إثارة الاهتمام.
في المقابل، ماذا عن الكاتب الثقافي؟
وماذا عن الكاتب الاجتماعي، والتربوي، والأدبي، والاقتصادي، ومن يكتب في قضايا المجتمع والوعي والتعليم والهوية والتاريخ؟
قد يكتب أحدهم مقالاً عميقاً يمس قضية مجتمعية مهمة، أو يطرح فكرة تستحق أن تتحول إلى مشروع، أو يسلط الضوء على خلل يحتاج إلى المعالجة، ثم تمر كلماته بهدوء؛ لا لأن ما كتبه أقل أهمية، بل لأنه لا يقف خلفه جمهور يهتف باسمه أو يدافع عن حضوره.
وهنا تكمن المفارقة.
ففي الرياضة، قد تتحول جملة عابرة إلى حديث منصات، بينما تمر مقالة فكرية أو ثقافية ثرية دون أن تجد نصف ذلك الاهتمام.
وقد يستضاف الإعلامي الرياضي باستمرار، وتتاح له فرص الظهور والسفر وحضور المناسبات والفعاليات، بينما يجد الكاتب في مجالات أخرى نفسه يبحث حتى عن مساحة تليق بما يقدمه.
ليس المطلوب أن تُسحب المزايا من الإعلام الرياضي، ولا أن يقل الاهتمام به، فهذا قطاع جماهيري مهم وله جمهوره واقتصاده وتأثيره الكبير.
المطلوب فقط أن نسأل: لماذا لا تكون هناك مسارات مشابهة لدعم بقية الكتّاب والإعلاميين؟
لماذا لا يحظى الكاتب الثقافي باحتضان أكبر؟
ولماذا لا تفتح المؤسسات أبوابها للكاتب الاجتماعي والتربوي كما تفتحها للإعلام الرياضي؟
ولماذا أصبحت الجماهيرية في بعض الأحيان معياراً يسبق جودة المحتوى وقيمة الفكرة؟
المشكلة أن الإعلام حين يربط الاهتمام فقط بعدد المتابعين، فإنه قد يظلم أصحاب المحتوى الأعمق والأكثر أثراً على المدى البعيد.
فالكاتب الذي يناقش التعليم لا يقل أثراً عن من يناقش مباراة.
والكاتب الذي يكتب عن الثقافة والهوية والوعي لا تقل رسالته عن محلل يتحدث عن انتقال لاعب.
والإعلامي الذي يسلط الضوء على قضية اجتماعية أو إنسانية قد يصنع أثراً لا يظهر في أرقام المشاهدة سريعاً، لكنه يبقى في المجتمع سنوات.
المجتمعات لا تُبنى بالترفيه وحده، كما أنها لا تستغني عنه.
والرياضة جزء جميل ومهم من حياتنا، لكن الثقافة والتعليم والفكر والأدب والقضايا الاجتماعية أجزاء لا تقل أهمية، وربما كانت أكثر التصاقاً بتكوين الإنسان وبناء وعيه.
ومن هنا، فإن المؤسسات الإعلامية والثقافية والجهات الراعية مطالبة بإعادة النظر في مفهوم «الإعلامي المؤثر».
فالمؤثر ليس بالضرورة من يملك أكبر عدد من المتابعين، ولا من يستطيع إشعال منصة في دقائق، بل قد يكون كاتباً هادئاً صنع وعياً، أو صحفياً كشف قضية، أو مثقفاً فتح باباً للنقاش، أو صاحب قلم ترك أثراً لا تقيسه أرقام المشاهدات.
نحتاج إلى عدالة أكبر في الفرص.
نحتاج إلى منصات تحتفي بالمقال الجيد كما تحتفي بالتصريح الرياضي المثير.
ونحتاج إلى حوافز وتشجيع وتسهيلات تصل إلى مختلف مجالات الكتابة والإعلام، لا أن تبقى مرتبطة فقط بمن يملك الجمهور الأكثر صخباً.
فالكاتب لا ينبغي أن يحتاج إلى مدرج كامل خلفه حتى تُسمع كلمته.
ولا يفترض أن تكون قيمة القلم مرتبطة بعدد من يصفقون له.
الإعلام الحقيقي يتسع للجميع، ويعرف أن الكلمة المؤثرة قد تأتي من إستديو رياضي مزدحم، وقد تأتي أيضاً من كاتب يجلس وحيداً أمام ورقته، لكنه يكتب ما يحتاج المجتمع إلى قراءته.
ويبقى السؤال:
إذا كانت الجماهير تقف خلف الإعلامي الرياضي، فمن يقف خلف الكاتب الذي لا يملك جمهور المدرجات، لكنه يملك قضية وفكرة ورسالة؟
** **
- مساعد السعدوني
@msaaid9