لطالما ارتبط التعصب الرياضي بصخب المدرجات، وهتافات الجماهير، والألوان التي يرتديها المشجعون تعبيراً عن انتمائهم لأنديتهم وفرقهم المفضلة. وكان يُنظر إلى الملعب بوصفه المسرح الرئيس الذي تتجلى فيه مشاعر الولاء والتنافس، حيث تزداد حماسة المشجعين مع مجريات المباراة. غير أن التحولات الرقمية التي شهدها العالم خلال العقدين الماضيين دفعت هذه الظاهرة إلى فضاء جديد، يستحق التأمل والدراسة.
اليوم، لم يعد التعصب الرياضي محصوراً داخل أسوار الملاعب أو مرتبطاً بالحضور الجسدي للمباريات. فالمشجع الذي يتابع فريقه من هاتفه المحمول أو من خلف شاشة في منزله قد يصبح أكثر انخراطاً في التنافس الرياضي وأكثر تعبيراً عن تعصبه من مشجع يجلس بين آلاف المتفرجين في المدرجات. إنها مفارقة اجتماعية تكشف كيف أعادت البيئة الرقمية تشكيل أنماط التشجيع والانتماء الرياضي.
لقد أوجدت منصات التواصل الاجتماعي فضاءً دائماً للتفاعل الرياضي، حيث لا تتوقف المباراة فعلياً عند إطلاق صافرة النهاية. فالأهداف واللقطات التحكيمية والتصريحات والآراء والتحليلات تتحول إلى مادة متجددة للنقاش والجدل تمتد لساعات وربما لأيام. وفي هذا السياق، أصبح المشجع جزءاً من تدفق مستمر من المحتوى الذي يؤثر في مشاعره ويعزز توجهاته ويدفعه للمشاركة في سجالات لا تنتهي.
وتزداد هذه الظاهرة مع طبيعة الخوارزميات الرقمية التي قد تعرض المحتوى الأكثر جذباً للانتباه والتفاعل. فكلما زاد تفاعل الناس مع محتوى معين، زادت فرص ظهوره وانتشاره. ومع تكرار هذا النوع من المحتوى، قد يجد المشجع نفسه في بيئة رقمية تعرض له بشكل مستمر الآراء التي تتوافق مع توجهه وتشجعه، بينما تقل فرص اطلاعه على آراء وتشجيع جماهير الأندية الأخرى، وهو ما يشبه ما يُعرف بـ«غرف الصدى».
وإذا كان التعصب الرياضي التقليدي يرتبط بزمان محدد ومكان معلوم، فإن التعصب الرياضي في الفضاء الرقمي تحرر من هذين القيدين. فالمدرجات تفرغ بعد انتهاء المباراة، أما المنصات الرقمية فلا تغلق أبوابها. والحدث الرياضي الذي كان ينتهي بانتهاء وقته الرسمي يمكن أن يستمر رقمياً لأيام طويلة عبر النقاشات والمقاطع والتعليقات.
وهنا يبرز سؤال مهم: هل غيّر الفضاء الرقمي شكل التعصب الرياضي وطريقة ظهوره؟ يبدو أن التعصب لم يتغير في جوهره، لكن طريقة ظهوره أصبحت مختلفة، وأصبح حاضراً بشكل أكبر في التفاعل الرياضي اليومي عبر المنصات الرقمية.
إن فهم التعصب الرياضي في عصر المنصات الرقمية لم يعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة لفهم التحولات التي طرأت على سلوك الجماهير وعلاقاتها الرياضية. فبينما أصبح الملعب في جوال كل مشجع، أصبحت مشاعر الانتماء والتنافس أيضاً أكثر قرباً واستمرارية وتأثيراً من أي وقت مضى.
وفي ظل هذا التحول، تبرز أهمية الوعي بطريقة استخدام المنصات الرقمية، بحيث يبقى التنافس الرياضي مساحة للحماس والانتماء، دون أن يتحول الاختلاف في التشجيع إلى خصومة تتجاوز حدود الرياضة.
** **
خالد بن فواز المحارفي - باحث دكتوراه في علم الاجتماع الرياضي - ماجستير في الجرائم الإلكترونية.