ماذا لو صدر قرار من جهة عليا بإيقاف المساحات الرياضية على المنصات، ماذا سيخسر الوسط الرياضي فعلًا؟
سؤال يستحق أن نسأله بعيدًا عن غضب المشجعين وحماس المنتمين لهذه المساحة أو تلك.
هل سنخسر محتوى رياضيًا ثريًا؟ هل ستتراجع الثقافة الرياضية؟ هل ستختفي التحليلات الفنية العميقة؟ هل سيفقد الجمهور مصدرًا مهمًا للمعلومة؟ أم أننا سنخسر ساعات طويلة من الضجيج، ثم نكتشف أن كرة القدم ما زالت بخير؟
المشكلة ليست في «المساحات» بوصفها تقنية أتاحت للناس الحديث والنقاش، فهذه في أصلها فرصة جميلة للديمقراطية الاتصالية؛ يستطيع المشجع أن يتحدث، والإعلامي أن يناقش، والمتخصص أن يشرح، والجمهور أن يسمع ويسأل.
المشكلة في ما فعلناه نحن بهذه الفرصة، وكيف تحولت مساحة كان يمكن أن تكون امتدادًا للنقاش الرياضي إلى حلبة مفتوحة تبدأ في الليل، ولا تنتهي أحيانًا إلا بعد أذان الفجر.
ساعات من الحديث، عن ماذا؟
شيطنة الفريق الآخر، والتشكيك في بطولاته، والطعن في مسؤوليه، والبحث في نوايا لاعبيه، واستدعاء التاريخ بما يخدم الحجة، ثم الحلف والقسم لتأكيد معلومة لا أصل لها، ورواية أخبار بصيغة الواثق، ومصدر موثوق ومصدر مطلع ومصدر يجيب العلم، وتقديم أسماء متهالكة كرموز وتصديرهم للمستمع، وبعد أيام يتبين أنها لم تكن سوى ظن أو إشاعة أو اختراع كامل.
وإذا انتهت المادة الرياضية بدأ الاشتباك الشخصي: فلان كذاب، وفلان مدفوع، وفلان متعصب، وفلان يعرف الحقيقة لكنه يخفيها!
وكأن الرياضة لم تعد مباراة تُلعب في تسعين دقيقة، وإنما خصومة تستمر أربعًا وعشرين ساعة.
نحن أصلًا أمام تخمة غير طبيعية في المحتوى الرياضي والثرثرة فيه. برامج تلفزيونية قبل المباريات وبعدها، واستديوهات تحليلية، وحسابات متخصصة، وصحف ومواقع ومنصات ومقاطع وبودكاست، ثم تنتهي المباراة فلا نذهب إلى النوم، وإنما نبدأ «مباراة ما بعد المباراة» في المساحات.
وربما كانت هذه المباراة أطول وأعنف من المباراة الأصلية؛ لا أهداف فيها ولا مهارات ولا متعة، وإنما بربرة وكسر عظم ومحاولات لإثبات أن انتصار المنافس مؤامرة، وأن خسارة فريقنا حدث لا يمكن تفسيره بأسباب كرة القدم الطبيعية!
ومع الوقت أصبح بعض الجمهور لا يشاهد المباراة ليستمتع بها، وإنما ليجمع أدلة يستخدمها في المعركة التي ستبدأ بعدها، وهنا تكمن الخطورة.!
فالرياضة التي يفترض أن تكون متنفسًا تحولت لدى بعضهم إلى مصدر دائم للتوتر، والمنافس الذي يفترض أن تحتاجه لتكتمل متعة اللعبة أصبح عدوًا يجب إسقاطه أخلاقيًا وإداريًا وإعلاميًا، لا مجرد فريق تريد الفوز عليه داخل الملعب، وحتى الإنجاز لم يعد كافيًا؛ لا بد بعد أن يحقق فريقك البطولة أن تثبت أن المنافس سيئ، وأن جمهوره واهم، وأن تاريخه مزيف، وأن مستقبله مظلم!
أي متعة بقيت في كل هذا؟
والأغرب أن كثيرًا من هذه المساحات لا تقدم في مقابل هذه الساعات الطويلة قيمة معرفية توازي الزمن الذي تستهلكه. اسأل نفسك بعد مساحة استمرت أربع ساعات: ماذا عرفت ولم أكن أعرفه؟ ما المعلومة التي أضافتها؟ ما الفكرة التي غيرت فهمي للعبة؟ في أحيان كثيرة ستكتشف أنك استمعت إلى الجملة نفسها وهي تعاد عشرات المرات، بأصوات مختلفة ودرجة انفعال أعلى.
وهذا لا يعني أن كل المساحات سيئة، ولا أن من فيها بلا قيمة، هناك مساحات جميلة، وضيوف متخصصون، ونقاشات محترمة، ومعلومات لا تجدها في البرامج التقليدية، وهناك من جعل من هذه التقنية نافذة معرفية حقيقية. لكن المشكلة أن الصوت الأكثر صخبًا غالبًا هو الأكثر انتشارًا، وأن الإثارة أسرع تداولًا من المعلومة، والاتهام أكثر جذبًا من التحليل، والمشاجرة تجمع مستمعين أكثر من النقاش الهادئ.
لذلك ربما لا نحتاج فعلًا إلى قرار يمنع المساحات الرياضية، فالحل ليس دائمًا في المنع، نحن بحاجة إلى شيء أصعب: أن نقرر نحن ماذا يستحق من أعمارنا.
ليس معقولًا أن تكون ليلتنا مباراة، ثم برنامجًا، ثم تحليلًا، ثم مساحة، ثم مساحة ترد على المساحة، ثم مقاطع مقتطعة من المساحتين، ثم نستيقظ صباحًا لنكمل المعركة نفسها!.. كرة القدم أبسط وأجمل من ذلك كله.
فريق يفوز، وفريق يخسر. لاعب يبدع وآخر يخطئ. حكم يصيب وربما يخطئ. موسم ينتهي ويأتي غيره. ومنافسك الذي تتمنى خسارته اليوم هو نفسه الذي تحتاج وجوده غدًا كي يكون لفوزك معنى.
أما «أن نقضي أعمارنا نطارد كرة خرجت من الملعب منذ ساعات، ونختلف حولها حتى الفجر، فربما السؤال الحقيقي ليس: ماذا سنخسر لو توقفت المساحات الرياضية؟
السؤال الأكثر إحراجًا: ماذا نخسر كل ليلة وهي مستمرة؟
** **
- خالد الباتلي