عادةً ما تنظر الشركات إلى أنظمة تخطيط موارد المؤسسة (ERP) باعتبارها استثمارًا تقنيًا يهدف إلى رفع الكفاءة، وربط العمليات، وتحسين إدارة المخزون والمشتريات والمبيعات. لكن تجربة شركة أسواق عبدالله العثيم تطرح سؤالًا أكثر أهمية: ماذا يحدث عندما يتحول مشروع تقني إلى خطر تشغيلي يمتد أثره إلى المبيعات والأرباح؟
القضية هنا ليست في نظام ERP ذاته، فهذه الأنظمة أصبحت من أهم الأدوات الإدارية في الشركات الكبرى، وإنما في إدارة مخاطر التحول من نظام إلى آخر، خصوصًا في شركات التجزئة التي تعتمد على آلاف العمليات اليومية وسرعة حركة المخزون ودقة سلاسل الإمداد.
وقد أعلنت أسواق العثيم أنها بدأت تطبيق نظام ERP حديث في الأول من نوفمبر 2025، وأن بعض العمليات اللوجستية تأثرت خلال مرحلة التطبيق، مما انعكس سلبًا على المبيعات والأرباح التشغيلية في الربع الرابع. واستمر بعض الأثر على خطط سلاسل الإمداد حتى الربع الأول من 2026، قبل أن تعلن الشركة اكتمال المرحلة الأولى من استقرار النظام.
هذه الحالة تقدم درسًا مهمًا في الحوكمة وإدارة المخاطر. فالتحول الرقمي في شركة كبيرة لم يعد مسؤولية إدارة تقنية المعلومات وحدها، بل أصبح ملفًا استراتيجيًا يجب أن يكون حاضرًا أمام الإدارة التنفيذية ومجلس الإدارة ولجانه المختصة.
فعندما يرتبط النظام بالمخزون والمستودعات والموردين والفروع والمبيعات والتدفقات النقدية، فإن تعطل أحد مكوناته قد يبدأ كمشكلة تقنية، ثم ينتقل سريعًا إلى سلسلة الإمداد، ومنها إلى رفوف المتاجر، ثم إلى المبيعات، وأخيرًا إلى قائمة الدخل وقيمة الشركة السوقية.
وهنا يأتي السؤال الحوكمي: هل تعامل مجالس الإدارات مع مشاريع التحول الرقمي الكبرى باعتبارها استثمارات تقنية، أم باعتبارها مخاطر مؤسسية تستوجب سيناريوهات اختبار وخطط استمرارية أعمال وخططًا بديلة قبل التشغيل؟
لا يعني ذلك تحميل مجلس الإدارة مسؤولية أي خلل تقني، وإنما التأكيد على مسؤوليته في التأكد من وجود إطار مناسب لإدارة المخاطر. فقبل الانتقال إلى نظام بحجم ERP يجب اختبار البيانات، ومحاكاة العمليات، ووضع خطة انتقال تدريجية، وتحديد مؤشرات إنذار مبكر، وتجهيز خطة للعودة أو التشغيل الموازي عند حدوث اضطراب جوهري.
وتزداد أهمية ذلك في شركات التجزئة؛ فالمنتج الذي لا يصل إلى الفرع في الوقت المناسب لا يعني مجرد تأجيل الإيراد. العميل قد يتجه مباشرة إلى المنافس، وهنا يتحول الخلل اللوجستي إلى خسارة مبيعات وربما حصة سوقية.
وتشير نتائج العثيم للربع الأول من 2026 إلى انخفاض المبيعات بنسبة 5.8 % وصافي الربح بنسبة 29.7 % مقارنة بالفترة المماثلة، مع وجود عوامل أخرى مؤثرة، منها تغير سلوك المستهلك وارتفاع التكاليف التشغيلية. ولذلك لا يصح تحميل نظام ERP وحده كامل الانخفاض، لكن التجربة تكشف بوضوح حجم الترابط بين التقنية والعمليات والنتائج المالية.
الدرس الأهم للشركات السعودية المدرجة هو أن التحول الرقمي لم يعد مشروع تقنية معلومات؛ بل أصبح جزءًا من منظومة الحوكمة وإدارة المخاطر واستمرارية الأعمال.
فقد يكون قرار شراء النظام قرارًا تقنيًا، لكن نجاح تطبيقه أو تعثره قد يظهر في النهاية في المكان الذي يراقبه كل مساهم: قائمة الدخل
** **
- عبدالله صالح الشماسي