كل عام، تنتهي معركة القبول الجامعي بإعلان الأسماء. يفرح من وجد اسمه في القائمة، ويعود آخرون إلى بيوتهم يحملون خيبة لا يعرف ثقلها إلا من عاشها. بعضهم لم تنقصه الرغبة، ولا ربما القدرة، وإنما ضاقت به المقاعد المتاحة. وإذا كانت الجامعات الحكومية قد استوعبت طاقتها، بقي أمامه طريق التعليم الأهلي؛ طريق لا تستطيع كل أسرة أن تسلكه، ولا يوجد في كل محافظة أصلًا.
وهنا يبرز سؤال يستحق أن يُطرح بجدية:
لماذا لا يكون هناك طريق ثالث بين المقعد الحكومي المجاني والجامعة الأهلية مرتفعة التكلفة؟
ليس السؤال جديدًا تمامًا على التعليم السعودي. فقد عرفت الجامعات السعودية في مراحل سابقة التعليم الموازي، واعتُبر أحد المسارات التي تسهم في زيادة الطاقة الاستيعابية للتعليم العالي. ثم أوقفت برامج التعليم الموازي لاحقًا، وأتيح للجامعات تقديم برامج مدفوعة وفق ضوابط أخرى.
لكن المشكلة التي كانت وراء الفكرة لم تختفِ.
ما زال هناك طلب على التعليم العالي يفوق المقاعد المتاحة في بعض التخصصات، وما زالت كلفة التعليم الأهلي تشكل عائقًا أمام أسر كثيرة، وما زالت بعض المحافظات تفتقر إلى الخيارات الجامعية المناسبة.
لذلك ربما لا نحتاج إلى إعادة «التعليم الموازي» بصورته القديمة، بل إلى تطوير الفكرة إلى نموذج أكثر عدالة وذكاءً.
سنة واحدة لإثبات الجدارة
بعد انتهاء القبول المعتاد، يمكن للجامعة أن تفتح عددًا محددًا من المقاعد في مسار تأهيلي تنافسي لمدة عام.
يدفع الطالب رسومًا معقولة ومحددة مسبقًا، ويدرس مقررات جامعية حقيقية، وفق معايير أكاديمية. ثم يأتي الاختبار الحقيقي:
من يحقق المعدل المطلوب والشروط المحددة مسبقًا، ينتقل إلى الدراسة المجانية في الجامعة وفق المقاعد المتاحة.
وهذه نقطة جوهرية؛ لأننا لا نقترح تخفيض معيار القبول، وإنما نمنح الطالب فرصة ثانية لإثبات قدرته بدل أن تكون نتيجة واحدة في الثانوية حكمًا نهائيًا على مستقبله.
لماذا قد يكون هذا النموذج أكثر عدلًا؟
لأن بعض الطلاب لا تعكس درجاتهم المدرسية كامل قدراتهم.
قد يكون السبب ضعف البيئة التعليمية، أو ظروفًا أسرية، أو اختلافًا في مستوى المدارس، أو ببساطة أن الطالب لم يكن قد نضج أكاديميًا بما يكفي حين خضع للمفاضلة. لكن الجامعة تستطيع أن ترى شيئًا مختلفًا. تستطيع أن ترى الطالب وهو يدرس مقرراتها، ويحضر محاضراتها، ويؤدي اختباراتها، وينافس زملاءه.
وهنا يصبح الحكم قائمًا على أداء فعلي داخل البيئة الجامعية، لا على رقم سابق فقط.
وقد عرفت المملكة أصلًا سياسات داعمة للتعليم الأهلي والمنح الدراسية؛ فقد سبق أن تحملت الدولة نسبة من رسوم المقبولين في الجامعات والكليات الأهلية، كما دعمت برامج منح مرتبطة بالتفوق الأكاديمي. وهذا يؤكد أن تمويل الدولة للتعليم خارج المسار الحكومي المباشر ليس فكرة غريبة على السياسة التعليمية السعودية.
لكن يمكن تطوير الفكرة إلى مستوى أكثر كفاءة:
بدل أن يكون الدعم مرتبطًا بالمقعد منذ البداية، يكون مرتبطًا بالطالب بعد أن يثبت استحقاقه.
من تمويل المقعد إلى تمويل الاستحقاق
هذه هي النقلة التي تستحق التفكير.
فالطالب يدخل المسار التأهيلي على مسؤوليته، ثم إذا أثبت جدارته تتحمل الدولة أو الجهة الممولة تكلفة تعليمه المتبقية.
وبذلك يصبح التمويل العام أكثر ارتباطًا بالنتيجة.
الطالب يجتهد.
والجامعة تختبر.
والدولة تستثمر فيمن أثبت قدرته.
والأسرة لا تُجبر على تحمل سنوات طويلة من الرسوم.
أما الجامعة الأهلية، فيمكن أن تكون شريكًا في هذا النموذج، وفق اعتماد أكاديمي وضوابط واضحة، بحيث تُموّل المقاعد التي يثبت أصحابها استحقاقهم، لا أن تتحول المبادرة إلى سوق جديدة للرسوم.
والأهم: المحافظات
في المدن الكبرى تتعدد الخيارات.
أما في بعض المحافظات، فقد تكون المشكلة أكثر قسوة: لا جامعة حكومية بالتخصص المطلوب، ولا جامعة أهلية، وإن وجدت فتكلفتها قد تتجاوز قدرة الأسرة.
لذلك يمكن أن يرتبط هذا النموذج بالتعليم الهجين؛ فتُدرس المقررات التي يمكن تقديمها إلكترونيًا عن بُعد، بينما تُخصص المكونات العملية والتطبيقية للحضور في مراكز أو فروع جامعية معتمدة.
وبذلك لا يصبح موقع الطالب الجغرافي سببًا كافيًا لإغلاق الطريق أمامه.
ليس المطلوب مقعدًا لكل طالب
من المهم ألا نخلط بين العدالة وبين إلغاء المنافسة.
ليس من الممكن، ولا من الحكمة، أن يحصل كل متقدم على مقعد جامعي مجاني.
لكن من الممكن أن يحصل كل طالب مستوفٍ للشروط على فرصة عادلة لإثبات استحقاقه، وهنا الفرق. فالجامعة مؤسسة لاكتشاف القدرات وبنائها.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا لم يعد:
كم طالبًا نستطيع أن نقبله؟
بل: كم طالبًا نستطيع أن نمنحه فرصة حقيقية قبل أن نحكم عليه بأنه لا يستحق التعليم الجامعي؟
إن سنة واحدة قد تكون فاصلة بين طالب يخرج من قائمة الانتظار، وطالب يدخل قائمة الخريجين.
وبين الاثنين قد لا يكون الفارق في الذكاء أو الطموح، وإنما فرصة لم تُمنح.
لذلك فإن إعادة التفكير في التعليم الموازي ليست دعوة إلى إحياء برنامج قديم، وإنما دعوة إلى بناء فلسفة جديدة للقبول:
لا تُلغى المنافسة، ولا تُشترى المقاعد، ولا تُرهق الأسر بالرسوم؛ وإنما يُفتح باب إضافي، ثم يكون التفوق هو المفتاح.
فإذا كان التعليم استثمارًا في الإنسان، فمن المؤسف أن يكون امتلاء المقاعد نهاية الطريق أمام طالب ربما كان يحتاج فقط إلى أن يُمنح عامًا واحدًا ليقول:
أنا أستحق هذا المقعد.
** **
- د. خالد بن سرحان المطيري
dr.khalid.s.almutairi@gmail.com