لم يكن التحول الذي أحدثه الذكاء الاصطناعي في التعليم مجرد انتقال من الكتاب الورقي إلى المنصة الرقمية، أو من المحاضرة التقليدية إلى التعليم الإلكتروني؛ بل إنه يمسّ سؤالًا أعمق يتعلق بطبيعة المعرفة نفسها، وبوظيفة المدرسة والجامعة، وبالدور الذي ينبغي أن يؤديه المعلّم في مجتمع أصبحت فيه المعلومة متاحة على نحو غير مسبوق. فقد أصبح بإمكان الطالب اليوم أن يحصل خلال ثوانٍ على شرح لمفهوم علمي، أو ترجمة لنص، أو تلخيص لكتاب، أو حل لمسألة رياضية، أو مسودة بحثية متكاملة. وقد جعل الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي التوليدي هذه الإمكانات أكثر حضورًا في الحياة التعليمية اليومية.
أمام هذا التحول، يبدو السؤال التقليدي مشروعًا: إذا أصبحت الآلة قادرة على تقديم المعلومات والإجابات بسرعة ودقة متزايدتين، فما الحاجة إلى المعلّم؟
غير أن هذا السؤال يقوم على افتراض يحتاج إلى مراجعة، وهو أن وظيفة المعلّم تتمثل أساسًا في نقل المعلومات. فإذا كانت المعرفة تُختزل في مجموعة من البيانات والإجابات، فإن الذكاء الاصطناعي يستطيع بالفعل أن ينافس المعلّم في هذا المجال. أما إذا نظرنا إلى التعليم بوصفه عملية لتكوين الفهم، وتنمية الحكم النقدي، وبناء الشخصية، وتعليم الإنسان كيف يسأل ويفكر ويتحمل مسؤولية معرفته، فإن الذكاء الاصطناعي لا يلغي دور المعلّم، وإنما يعيد تعريفه ويجعله أكثر أهمية.
وتنسجم هذه الرؤية مع الاتجاهات الدولية الحديثة في التفكير في الذكاء الاصطناعي والتعليم. فقد دعت اليونسكو إلى مقاربة تتمحور حول الإنسان في استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم، مؤكدة ضرورة حماية الوكالة الإنسانية والخصوصية وضمان استخدام التكنولوجيا بصورة آمنة وأخلاقية وهادفة. كما وضعت المنظمة في عام 2024 إطارًا للكفايات الخاصة بالمعلّمين في عصر الذكاء الاصطناعي، يتضمن أبعادًا مثل العقلية المتمحورة حول الإنسان، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وأساسياته وتطبيقاته، والبيداغوجيا المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والتعلم المهني.
من وفرة المعلومات إلى أزمة الفهم
ارتبط التعليم الحديث طويلًا بفكرة أن المدرسة أو الجامعة هي المكان الأساسي الذي يحصل فيه الطالب على المعرفة. ولذلك كان المعلّم يؤدي وظيفة مركزية بوصفه مصدرًا للمعلومات ووسيطًا بينها وبين الطالب. لكن الثورة الرقمية غيّرت هذا الوضع بصورة جذرية. لم تعد المعلومة نادرة أو صعبة الوصول؛ بل أصبحت وفيرة إلى درجة أن المشكلة لم تعد تتمثل في العثور عليها، وإنما في تقييمها وفهمها وتحديد قيمتها واستخدامها بصورة صحيحة.
وهنا ينبغي التمييز بين المعلومة والمعرفة والفهم والحكمة. فالمعلومة هي ما يمكن الوصول إليه، والمعرفة هي القدرة على تنظيم المعلومات وربطها، والفهم هو إدراك العلاقات والسياقات التي تمنح المعرفة معناها، أما الحكمة فتتعلق بالقدرة على توظيف هذا الفهم في اتخاذ القرار المناسب. يستطيع الذكاء الاصطناعي معالجة كميات ضخمة من المعلومات وإنتاج إجابات في زمن قصير، لكنه لا يحوّل المعلومات تلقائيًا إلى فهم لدى المتعلم. وقد تنتج أدوات الذكاء الاصطناعي إجابة تبدو مقنعة لغويًا، لكنها قد تكون ناقصة أو غير دقيقة أو خارجة عن السياق. ومن ثم فإن امتلاك الإجابة لا يعني امتلاك القدرة على الحكم عليها. وهنا تظهر إحدى أهم وظائف المعلّم في العصر الرقمي: أن يعلّم الطالب كيف يقرأ الإجابة، لا كيف يحصل عليها فقط.
السؤال أهم من الإجابة
في البيئة التعليمية التقليدية، كان كثير من الاختبارات يقوم على سؤال الطالب عن معلومة أو تعريف أو تاريخ أو قاعدة. لكن الذكاء الاصطناعي يجعل هذا النوع من التقييم أقل قدرة على قياس التعلم الحقيقي؛ إذ يستطيع الطالب الحصول على إجابة جاهزة خلال ثوانٍ. ولهذا يصبح السؤال نفسه موضوعًا للتعليم.
فما السؤال الذي ينبغي طرحه؟ وما الافتراضات التي يقوم عليها؟ وهل السؤال مصاغ بصورة صحيحة؟ وما الأدلة التي نحتاج إليها للإجابة عنه؟ وهل توجد إجابات بديلة؟ وما النتائج المترتبة على كل إجابة؟
إن القدرة على طرح السؤال المناسب تمثل إحدى أهم صور التفكير النقدي. وفي هذا السياق لا ينبغي أن يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره بديلًا عن التفكير، بل باعتباره أداة يمكن استخدامها لتوسيع عملية التفكير إذا أحسن الطالب والمعلّم توظيفها. فالطالب الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي للحصول على إجابة جاهزة قد يختصر الوقت، لكنه قد لا يتعلم شيئًا. أما الطالب الذي يستخدمه لمقارنة الحجج، واختبار الفرضيات، واكتشاف نقاط الضعف في حجته، أو توليد أسئلة جديدة، فإنه يحوّل الأداة نفسها إلى وسيلة للتعلم.
لماذا لا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يحل محل المعلّم؟
لا تكمن قيمة المعلّم في كمية المعلومات التي يمتلكها فقط، وإنما في قدرته على قراءة المتعلم. قد يعطي طالبان الإجابة الخاطئة نفسها، لكن سبب الخطأ قد يكون مختلفًا عند كل منهما. أحدهما قد يفتقر إلى مفهوم أساسي، والثاني قد يكون مترددًا في طريقة تطبيقه، والثالث قد يفهم الفكرة لكنه يعجز عن التعبير عنها. يستطيع المعلّم المتمرس أن يلاحظ هذه الفروق، وأن يغير طريقة الشرح تبعًا لها.
كذلك فإن العملية التعليمية ليست عملية معرفية فقط؛ إنها عملية اجتماعية وإنسانية. فالثقة، والتحفيز، والحوار، والاختلاف، والشعور بالانتماء، والقدوة، كلها عناصر تدخل في تكوين المتعلم. وهذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي عاجز عن تقديم أشكال من التفاعل أو التخصيص، لكنه يعني أن التعليم لا ينبغي أن يُختزل في التفاعل مع نظام حسابي. فالطالب ليس مجرد مستخدم يحتاج إلى خدمة معرفية، وإنما إنسان يتكون فكريًا وأخلاقيًا واجتماعيًا. ومن هنا فإن القيمة الأساسية للمعلّم في المستقبل لن تكون في منافسة الآلة على سرعة الإجابة، بل في مساعدة الإنسان على فهم الإجابة وتقييمها وربطها بالعالم.
الذكاء الاصطناعي وتحوّل وظيفة المعلّم
لا يعني هذا أن يبقى المعلّم على حاله. فظهور الذكاء الاصطناعي يتطلب تطوير كفايات جديدة لدى المعلمين. وتشير اليونسكو في إطارها للكفايات الخاصة بالمعلّمين إلى أن العلاقة التعليمية لم تعد تقتصر على ثنائية المعلّم والطالب، وإنما أصبحت أقرب إلى علاقة ثلاثية تضم المعلّم والذكاء الاصطناعي والطالب. ولذلك يحتاج المعلّم إلى فهم أساسي لكيفية عمل هذه الأدوات، وإلى القدرة على استخدامها بصورة تربوية وأخلاقية.
كما تؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن محو الأمية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي لدى المعلّمين ينبغي ألا تقتصر على الاستخدام التقني، بل يجب أن تشمل القدرة على تقييم مخرجات الذكاء الاصطناعي وتوصياته بصورة نقدية، وتوظيفه بصورة إبداعية في التعليم. وهذا يعني أن المعلّم الجديد ليس بالضرورة المعلّم الذي يعرف استخدام أكبر عدد من أدوات الذكاء الاصطناعي، بل المعلّم الذي يعرف متى يستخدمها، ولماذا يستخدمها، ومتى ينبغي ألا يستخدمها.
خطر الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي
إذا كان الاستخدام الواعي للذكاء الاصطناعي يمكن أن يعزز التعلم، فإن الاستخدام غير النقدي قد يؤدي إلى النتيجة المعاكسة. فحين يطلب الطالب من الآلة أن تكتب له المقالة، وتحل المسألة، وتلخص الكتاب، وتترجم النص، وتصوغ الحجة، فإنه قد يحصل على منتج نهائي جيد ظاهريًا، لكنه يفقد العملية الفكرية التي كان ينبغي أن تقوده إلى إنتاج ذلك المنتج.
وهنا تكمن المفارقة: كلما أصبح الذكاء الاصطناعي أكثر قدرة على القيام بالمهام الفكرية الروتينية، أصبح من الضروري أن نعطي مساحة أكبر للمهارات التي لا تختزل في تلك المهام. وتشمل هذه المهارات القراءة العميقة، والكتابة، والتحليل، والاستدلال، والمناقشة، والتفسير، والقدرة على الربط بين الأفكار، واتخاذ المواقف المدعومة بالأدلة. ولهذا لا ينبغي أن يكون الهدف من التعليم هو حماية الطالب من الذكاء الاصطناعي، وإنما تعليمه كيف يستخدمه من دون أن يسمح له بأن يفكر نيابة عنه.
يفرض الذكاء الاصطناعي أيضًا إعادة النظر في تصميم المناهج وطرق التقييم. فإذا كان بإمكان النظام إنتاج إجابة عن سؤال تقليدي، فإن تقييم الطالب من خلال استرجاع المعلومات وحده يصبح أقل دلالة على قدرته الحقيقية. ومن هنا يمكن الانتقال إلى أشكال تقييم تعتمد على دراسة الحالات، والمشروعات، والمناقشات، والتحليل المقارن، والمشكلات الواقعية، والعروض الشفوية، والمهام التي تتطلب من الطالب شرح خطوات تفكيره والدفاع عن اختياراته. لا يعني ذلك التخلي عن المعرفة الأساسية. فالطالب لا يستطيع التفكير النقدي في فراغ؛ بل يحتاج إلى قاعدة معرفية تمكنه من فهم الموضوع وتحليل الأدلة. ولذلك فإن التحدي ليس الاختيار بين المعرفة والتفكير، وإنما بناء تعليم يجمع بينهما.
وقد أشارت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن التحول الرقمي الحقيقي لا يعني مجرد إدخال الأجهزة والمنصات إلى المؤسسات التعليمية، بل يتطلب إعادة التفكير في طرائق التدريس والتعلم وفي المنظومة التعليمية بأكملها.
من «المعلّم ناقل المعرفة» إلى «المعلّم مصمم تجربة التعلم»
ربما يكون التحول الأكثر أهمية هو الانتقال من تصور المعلّم باعتباره ناقلًا للمعلومات إلى تصوره باعتباره مصممًا لتجربة التعلم. في هذا النموذج، لا يقتصر عمل المعلّم على شرح المحتوى، بل يقوم بتصميم مواقف تجعل الطالب يفكر ويسأل ويجرب ويخطئ ويعيد المحاولة. وقد يستخدم الذكاء الاصطناعي في بعض مراحل هذه العملية، لكنه يظل صاحب القرار التربوي.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقترح أمثلة مختلفة لمستويات الطلاب، وأن يقدم تغذية راجعة أولية، وأن يساعد في إعداد بعض المواد، وأن يوفر مسارات تعليمية متنوعة. لكن المعلّم هو الذي يقرر كيف تُستخدم هذه الإمكانات داخل سياق تعليمي محدد. وهذه النقطة أساسية؛ لأن التكنولوجيا لا تحمل في ذاتها نظرية تربوية. يمكن استخدام الأداة نفسها لتوسيع التعلم أو لإضعافه، بحسب الطريقة التي توظف بها.
نحو شراكة بين الإنسان والآلة
ليس مستقبل التعليم إذن صراعًا بين المعلم والذكاء الاصطناعي. الخيار الأكثر واقعية وإنتاجية هو بناء شراكة مسؤولة بين الإنسان والآلة. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتولى عددًا من المهام التي تستهلك وقت المعلمين والطلاب، وأن يساعد على الوصول إلى مصادر متعددة، وتخصيص بعض أشكال التعلم، وتوفير تغذية راجعة سريعة. وهذا قد يمنح المعلّم وقتًا أكبر للقيام بالمهام التي تتطلب حكمًا بشريًا وتفاعلًا اجتماعيًا وتربويًا.
لكن هذه الشراكة تحتاج إلى شروط واضحة: تدريب المعلمين، وحماية بيانات الطلاب، والشفافية في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، ووضع قواعد للنزاهة الأكاديمية، وتقليل الفجوة الرقمية، وعدم السماح للتكنولوجيا بأن تحل محل العلاقة الإنسانية في التعليم. وتؤكد اليونسكو في إرشاداتها بشأن الذكاء الاصطناعي التوليدي أهمية المقاربة الإنسانية والأخلاقية، بما يشمل حماية الخصوصية وضمان الاستخدام الآمن والعادل والهادف.
لقد غيّر الذكاء الاصطناعي السؤال الذي ينبغي أن نطرحه عن مستقبل التعليم. لم يعد السؤال الأساسي: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يعلّم؟ وإنما: ما الذي ينبغي أن يبقى من اختصاص الإنسان عندما تصبح الآلة قادرة على إنتاج قدر هائل من المعرفة والمحتوى؟
إن الإجابة تقودنا إلى إعادة اكتشاف الوظيفة العميقة للتعليم. فالتعليم ليس عملية نقل للمعلومات فحسب، وإنما عملية تكوين للقدرة على الفهم والحكم والاختيار والمسؤولية. وإذا كانت الآلة تستطيع أن تقدم إجابة في ثوانٍ، فإن وظيفة المعلّم تصبح مساعدة الطالب على معرفة أي إجابة تستحق الثقة، وأي سؤال يستحق الطرح، وكيف يمكن تحويل المعرفة إلى فهم، والفهم إلى موقف، والموقف إلى فعل مسؤول.
ومن ثم فإن الذكاء الاصطناعي لا يجعل المعلم أقل أهمية؛ بل يحرره، من حيث المبدأ، من بعض وظائفه الروتينية لكي يعود إلى جوهر مهنته: أن يكون مرشدًا للعقل، وميسّرًا للتعلم، وبانيًا للقدرة على التفكير.
ولذلك فإن مستقبل التعليم لن يكون مستقبلًا بلا معلمين، وإنما مستقبلًا يحتاج إلى معلمين مختلفين: معلمين يمتلكون الكفاءة الرقمية دون أن يفقدوا الحس الإنساني، ويستخدمون الذكاء الاصطناعي دون أن يتخلوا عن الحكم النقدي، ويعلّمون الطلاب كيف يستفيدون من الآلة دون أن يصبحوا تابعين لها؟ ففي عصر أصبحت فيه الإجابات وفيرة، قد تكون أعظم مهمة للمعلم هي أن يعلّم الإنسان كيف يسأل، وكيف يفكر، وكيف يعرف؟
** **
- محمد إرشاد
Irshadhudawi83@gmail.com