توجد لحظة غريبة في حياة الجامعات، لا ينتبه إليها أحد.
لحظة تُضاء فيها المنصة، وتُلتقط الصور، وتُرفع القبعات، وتتعالى التصفيقات... ثم يُغلق بابٌ لا يُفتح في كثير من الأحيان مرة أخرى.
في تلك اللحظة، تظن الجامعة أنها أتمت رسالتها، بينما تكون رسالتها الحقيقية قد بدأت للتو.
فالجامعة لا تُقاس يوم تمنح شهادتها، وإنما يوم ترى ماذا صنعت تلك الشهادة في الحياة.
ولعل أكثر المفارقات إيلامًا أن المؤسسة التي كرّست سنوات لتشكيل عقل الإنسان وصقل مهاراته، قد تفقد أثره بعد ساعات من مغادرته. تتابع حضوره، ودرجاته، وساعاته الدراسية، وتفاصيل رحلته الأكاديمية بدقة، لكنها بعد التخرج تكاد تفقد الخيط الذي يصلها به، وكأنها كانت تدير ملفًا دراسيًا لا مشروعًا إنسانيًا ممتدًا.
لقد اعتدنا أن نقيس الجامعات بما يدخل إليها، لا بما يخرج منها. بعدد المقبولين، لا بعدد الذين أحدثوا أثرًا. بحجم الحرم الجامعي، لا بحجم القيمة التي أضافها خريجوه إلى الاقتصاد والمجتمع والمعرفة. ولهذا أصبحت بعض الجامعات تعرف تفاصيل منشآتها أكثر مما تعرف تفاصيل مسيرة أبنائها بعد التخرج.
وفي هذا يكمن السؤال الذي ينبغي أن يؤرق كل جامعة: كيف تطور برامجها الأكاديمية إذا كانت لا تسمع إلا أصوات من هم داخل أسوارها، بينما يغيب عنها صوت من اختبر تلك البرامج في الواقع؟
في الجامعات العالمية، لا يُنظر إلى التخرج على أنه نهاية العلاقة، بل بداية انتماء جديد. يتحول الخريج إلى شريك دائم، وسفير للجامعة، ومصدر لا ينضب للتغذية الراجعة. وتُقام لقاءات سنوية مثل Homecoming، لا باعتبارها مناسبة اجتماعية فحسب، بل لأنها جزء من منظومة معرفية تعيد وصل الجامعة بالحياة، وتمنحها القدرة على مراجعة نفسها من خلال تجارب خريجيها، وإنجازاتهم، وتعثراتهم، وتحولات سوق العمل.
أما في كثير من مؤسساتنا، فما يزال الخريج يغادر حاملاً وثيقته، بينما تغادر الجامعة معها أثمن فرصة لتطوير نفسها.
فمن يخبرها أن مقررًا دراسيًا لم يعد يواكب المهنة؟
ومن ينبهها إلى مهارة أصبحت شرطًا للتوظيف ولم تدخل بعد إلى قاعاتها؟ ومن يكشف لها أن الفجوة ليست بين الطالب وسوق العمل، بل بين المنهج والواقع؟ هنا تتجلى القيمة الحقيقية لإدارة الخريجين. فهي ليست إدارة للعلاقات العامة، ولا مكتبًا لتنظيم الاحتفالات، ولا نافذة لإرسال رسائل التهنئة في المناسبات.
إنها جهاز الاستشعار الاستراتيجي للجامعة. هي أول من يلتقط إشارات تغير سوق العمل، وأول من يرصد المهارات الصاعدة، وأول من يكشف مكامن القوة والقصور في البرامج الأكاديمية. إنها الإدارة التي تنقل نبض الواقع إلى قاعات الدراسة، وتحول تجارب الخريجين إلى معرفة مؤسسية تُبنى عليها القرارات.
الجامعة التي لا تسمع صوت خريجيها، لا تسمع في الحقيقة صوت المستقبل. وكل منهج لا يمر عبر مرآة الخريجين، يبقى اجتهادًا نظريًا ينتظر اختبار الواقع. ولا تحتاج الجامعة إلى مرآة ترى بها مبانيها؛ فذلك تفعله الصور. ولا تحتاج إلى تقارير تخبرها بعدد طلابها؛ فأنظمتها الإلكترونية تتكفل بذلك. لكنها تحتاج إلى مرآة من نوع آخر.. مرآة ترى بها أثرها الحقيقي. هذه المرآة ليست في قاعات المحاضرات، ولا في التصنيفات العالمية، ولا في تقارير الاعتماد الأكاديمي.. إنها في أعين خريجيها.
فالخريج ليس صفحة أُغلقت في سجل الجامعة، بل الصفحة الوحيدة التي يقرأها المجتمع كل يوم. وإذا أرادت أي جامعة أن تعرف قيمتها الحقيقية، فلا تنظر إلى ما تحتضنه أسوارها.. بل إلى ما يمشي خارجها.
فهناك فقط.. يبدأ الامتحان الحقيقي للجامعة.
** **
- د. خالد بن سرحان المطيري
dr.khalid.s.almutairi@gmail.com