الرياض - خاص بـ«الجزيرة»:
كشف الدكتور إبراهيم بن فهد الغفيلي خبير الأوقاف المالي والإداري، عن قصة نجاح وقف الملك عبد العزيز للحرم المكي الشريف، الذي كان وقف أرض قلعة جبل أجياد (جبل بلبل)، وصدر أمر ملكي من خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود -رحمه الله- بوقفه وتسميته في مطلع عام 2002م.
جاء ذلك في الدراسة البحثية للدكتور إبراهيم الغفيلي، الموسومة بـ «الهندسة المالية الإسلامية المبتكرة لتمويل مشاريع الأوقاف وتحقيق الاستدامة المالية»، وحصلت «الجزيرة» على نسخة منها، حيث يقول د. إبراهيم الغفيلي: «إن التطورات الاقتصادية المتسارعة، وتزايد متطلبات الكفاءة والحوكمة، أفرزت تحديات حقيقية أمام استدامة المشاريع الوقفية وقدرتها على تحقيق العوائد الكافية للوفاء بمقاصدها.
وفي ظل هذه التحديات وما واجهه الباحث، حيث كان يعمل مستشاراً مالياً لشركة مجموعة بن لادن السعودية المحدودة التي فازت بالمنافسة من بين مجموعة من المطورين العقاريين، التي طرحتها وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد لتطوير واستثمار أرض جبل قلعة أجياد (جبل بلبل) في مكة المكرمة، مع تفكيك حجارة القلعة ونقلها وحفظها في مستودعات المطور في مدينة بحرة وإزالة الجبل الذي تبلغ مساحة أرضه 29,585 متراً مربعاً.
وعندما تقدم المستشار المالي نيابة عن المطور بطلب تمويل المشروع من جميع البنوك السعودية والخليجية، اعتذرت عن تمويل مشروع وقف الملك عبد العزيز للحرم المكي الشريف بسبب أن أرض المشروع وهي وقف، والمحاكم الشرعية بالمملكة وفق نظام الأوقاف ترفض رهن أرض الوقف ضماناً للبنك الممول للمشروع، كما أن النظام المصرفي لا يسمح للبنوك بتمويل المشاريع العقارية من الحسابات الجارية، وفي هذه الفترة الزمنية لم يصدر نظام تأسيس الشركات المالية التابعة للمصارف السعودية التي يمكنها أن تأسيس الصناديق العقارية لتمويل المشاريع العقارية الكبيرة.
ويسترسل د. إبراهيم الغفيلي في حديثه قائلاً: أخذتُ البحث عن مصادر أخرى للتمويل الإسلامي لتمويل المشروع، إيماناً بالله سبحانه وتعالى بأنه سيهديني إلى هذه المصادر، لقوله تعالى: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا)، فهداه الله إلى عقد من عقود الإجارة وهو عقد الإجارة الموصوفة في الذمة وصفاً يمنع الجهالة والغرر، وبعد ذلك شرع في إعداد استراتيجية مبتكرة لتمويل المشروع بتطبيق عقد الإجارة الموصوفة في الذمة من جميع الأطراف المنتفعة من مشروع وقف الملك عبد العزيز للحرم المكي الشريف، لتعم المنفعة والبركة بينهم، ويشعر كل طرف منتفع أنه شريك في هذا المشروع فيحرص الكل على الوفاء بالتزاماتهم والوفاء بالدفعات المالية المستحقة عليهم، كذلك صيغت العقود القانونية والشرعية لكل طرف منتفع بوجود بنود حاكمة بحيث لو أخل طرف بدفع التزاماته المالية تقلصت المنافع الموصوفة له في العقد بما يعادل قيمة إخلاله ولا يقبل منه الاعتراض على ذلك.
ورأى المستشار المالي د. إبراهيم الغفيلي أهمية القيام بدراسة عن: «الهندسة المالية الإسلامية المبتكرة لتمويل مشاريع الأوقاف وتحقيق الاستدامة المالية، وقصة النجاح التي تحققت في وقف الملك عبد العزيز للحرم المكي الشريف، ليطلع عليها نظار الأوقاف العقارية والرؤساء التنفيذيون في شركات الأوقاف العقارية في مكة المكرمة والمدينة المنورة والرياض والمدن الأخرى لتمويل مشاريع الأوقاف وتحقيق الاستدامة المالية لها، مشيراً إلى اهتمام رؤية المملكة 2030 بقطاع الأوقاف وتعظيم أثره التنموي والاقتصادي من خلال زيادة مساهمة القطاع غير الربحي في الناتج المحلي إلى 5 %.
ويشير د. إبراهيم الغفيلي إلى أن وقف الملك عبد العزيز يحتوي على سبعة أبراج هي:
الصفا، المروة، هاجر، زمزم، سارة، المقام، وبرج الساعة، والتي يبلغ إجمالي شققها الفندقية 11,116 شقة فندقية من فئة خمسة نجوم، والتي تستضيف سنوياً في شهر رمضان وشهر ذي الحجة عدداً من الساكنين يبلغ تقريباً 65,000 حاج ومعتمر، فزادت من ساحات الحرم المخصصة للمعتمرين والحجاج مع فتح تأشيرات العمرة لجميع المسلمين في العالم، مؤكداً أن وقف الملك عبد العزيز حقق ريعاً مالياً، حيث أُجِّرت أرض المشروع بإيجار سنوي بلغ إجماليه خلال مدة عقد الإيجار البالغة 28 سنة مبلغ 2,748 مليون ريال تُنفق على الحرم المكي الشريف، إضافة إلى أن شركة مجموعة بن لادن السعودية المحدودة ستسلم المجمع الفندقي والتجاري في نهاية مدة إيجار أرض الوقف مجدداً للهيئة العامة للأوقاف.
ويؤكد د. الغفيلي أن نموذج التمويل المبتكر نجح في تحويل المجمع التجاري والأبراج السكنية إلى امتدادٍ لرحاب الحرم؛ ففي أوقات الصلاة، تتحول هذه الصروح إلى صفوف متراصة من المصلين، قلوبهم معلقة بالبيت العتيق، وعيونهم ترقب فضل الله ورزقه الذي دعا به الخليل إبراهيم - عليه السلام - لهذا البلد الأمين، مؤملاً أن يكون هذا الإصدار ملهماً لاستشراف مستقبل الأوقاف الإسلامية، وكيف يمكن للمبتكرات المالية أن تخدم المقاصد الشرعية، لتبقى بيوت الله ومرافقها مناراتٍ للأمن، والرزق، والسكينة إلى يوم الدين، كما أشار إلى أنه قد تقدم في مؤتمر المدينة المنورة للأوقاف، الذي عُقد في مركز المؤتمرات والمعارض، بمقترح إنشاء وقف الملك سلمان للحرم النبوي الشريف، ووجهه إلى أمانة المدينة المنورة، والهيئة العامة للأوقاف.