لم يعد التعصب الرياضي انفعالًا عابرًا في المدرجات؛ فقد انتقل إلى الشاشات والمنصات الرقمية، وتجاوز أحيانًا الإعلام الرياضي إلى مشاهير وشخصيات عامة وصنّاع محتوى، دخل بعضهم في سجالات وتراشقات تتجاوز حدود المنافسة المشروعة.
ويأتي التوجيه بإيقاف إعلاميَّين رياضيَّين ومحلل رياضي مؤقتًا عن الظهور الإعلامي، بعد رصد تجاوزات تتعلق بإثارة التعصب، إلى جانب استدعاء إعلاميين آخرين للتحقيق؛ ليفتح ملفًا أوسع من الأشخاص المشمولين بالتوجيه: ملف الخطاب الرياضي ومن يصنعه ويضخمه وينقله إلى الجمهور. فالمشهد لم يعد محصورًا أمام الكاميرا؛ إذ تتداخل فيه البرامج، والحسابات الجماهيرية، والمشاهير والشخصيات العامة. وقد يبدأ الأمر برأي أو انتماء، ثم يتحول إلى تراشق، خصوصًا حين تصبح الإثارة طريقًا أسرع إلى الانتشار. وهنا تكمن المفارقة: كلما ارتفعت مكانة الشخص العامة، تضاعفت مسؤوليته عن كلمته. فما قد يبدو مزحة من مشجع عادي، قد يتحول من شخصية مؤثرة إلى رسالة تتلقفها الجماهير وتعيد إنتاجها في خصومة لا تنتهي.
المشكلة ليست في التشجيع أو النقد؛ فالاختلاف روح الرياضة، والنقد الصريح ضرورة للتطوير. لكن الخط الفاصل يبدأ حين يتحول الرأي إلى تجريح، والنقد إلى اتهام، والاختلاف إلى تشكيك واستعداء.
عندما تصبح «اللقطة» أهم من المباراة
في زمن المنصات، قد تصبح التغريدة أو المقطع أو العبارة المستفزة أهم من المباراة نفسها. تصريح يشعل جمهورًا، يليه رد، ثم رد مضاد، فتتحول نتيجة انتهت على الملعب إلى خصومة رقمية مفتوحة.
والأخطر أن المحتوى الأكثر إثارة للغضب غالبًا هو الأسرع انتشارًا، بينما يتراجع التحليل الهادئ أمام الصدام.
لا نريد رياضة بلا اختلاف
مكافحة التعصب لا تعني إعلامًا بلا معارضة؛ بل إعلامًا يرفع مستوى النقد بدل خفض صوته. نريد محللًا ينتقد القرار ويشرح أسبابه، لا يطعن في النيات؛ وإعلاميًا يختلف دون إساءة؛ وشخصية عامة تشجع ناديها بحماس دون تحويل المنافس إلى خصم اجتماعي؛ ومقدمًا يدير الحوار دون تحويله إلى معركة. فالاحتراف الذي تعيشه الرياضة السعودية ينبغي أن ينعكس أيضًا على لغة الخطاب وأخلاقيات المنافسة.
الشهرة ليست حصانة
المشاهير والشخصيات العامة ليسوا مشجعين عاديين؛ فالكلمة منهم قد تصل إلى ملايين، والتغريدة قد تتحول خلال دقائق إلى خطاب جماهيري. لذلك، لا ينبغي أن تتحول الشهرة إلى رخصة للتراشق، أو أن تُستخدم الجماهير وقودًا لمعركة شخصية. وليس مطلوبًا من المشاهير إخفاء ميولهم، بل أن يعرفوا أين ينتهي التشجيع ويبدأ التحريض، وأين ينتهي المزاح ويبدأ التجريح. فالشهرة تمنح صاحبها مساحة أكبر للكلام، لكنها لا تمنحه حصانة من المسؤولية.
كيف نختلف دون أن نخسر بعضنا؟
التوجيه الأخير يتجاوز الأشخاص إلى رسالة للمشهد الرياضي بأكمله: حرية الرأي لا تعني حرية التجاوز، والحماس لا يلغي المسؤولية، والاختلاف لا يستدعي الخصومة. لم تعد القضية: من فاز ومن خسر؟ بل: كيف نختلف دون أن نخسر بعضنا؟ فالملعب ينتهي بصافرة الحكم، أما الكلمة فقد تواصل المباراة طويلًا بعد مغادرة اللاعبين. وحين تتجاوز المنافسة حدود الملعب، يصبح ضبط الفاصل بين الحماس والتعصب مسؤولية الجميع؛ من المدرج إلى الشاشة، ومن الإعلامي إلى المشهور، ومن الكلمة إلى أثرها.
** **
- وائل العتيبي