أصبحت كلمة «الاعتماد» من أكثر الكلمات حضورًا في الحديث عن جودة التعليم العالي، حتى غدت في أحيان كثيرة أشبه بخاتم يوضع على جبين الجامعة فيُفهم منه أنها بلغت منزلة الجودة والتميز. وحين تحصل جامعة على الاعتماد المؤسسي، أو يحصل برنامج على الاعتماد البرامجي، يسارع البعض إلى التعامل مع الشهادة وكأنها حكم نهائي على جودة المؤسسة. والحقيقة أكثر إنصافًا من ذلك؛ فالاعتماد له قيمة حقيقية، ولا يصح اختزاله في كونه إجراءً شكليًا، لأنه يقوم على معايير واضحة، وتقويم خارجي، وأدلة وشواهد، وآليات للتحسين. لكن المشكلة تبدأ حين نحمّله أكثر مما صُمم ليقيسه، فننتقل من القول إن الجامعة «استوفت المعايير» إلى القول إنها «جامعة متميزة»، مع أن العبارتين لا تعنيان الشيء نفسه.
فالاعتماد يجيب عن سؤال محدد: هل تستوفي المؤسسة مجموعة من المعايير المعتمدة؟ أما التميز فسؤال آخر: إلى أي درجة هي جيدة؟ وكيف تقارن بغيرها؟ والفرق بين السؤالين يشبه الفرق بين من اجتاز بوابة الطريق ومن بلغ القمة؛ فاجتياز البوابة أمر مهم، لكنه لا يخبرنا إلى أي ارتفاع وصل المسافر بعدها.
ولعل ما يؤكد ذلك أن بعض أعرق الجامعات في العالم لا تتعامل مع الاعتماد بوصفه التعريف الوحيد لجودتها. فمعهد ماساتشوستس للتقنية MIT يوضح في صفحته الرسمية أن الاعتماد المؤسسي لا يضمن جودة كل مقرر أو كفاءة كل خريج، وإنما يوفر ضمانًا معقولًا لجودة الفرص التعليمية. وهارفارد تصف الاعتماد بأنه عملية قائمة على مراجعة الأقران تهدف إلى ضمان الجودة والتحسين المؤسسي، بينما تواصل ستانفورد قياس تعلم طلابها ونجاحهم ونشر بيانات مرتبطة بذلك إلى جانب خضوعها للاعتماد. هذه الجامعات معتمدة بالفعل، لكنها لا تجعل شهادة الاعتماد المصدر الوحيد الذي تستمد منه شرعيتها العلمية؛ فهي لا تقول «أنا جيدة لأنني معتمدة»، بل تدع نتائجها وأبحاثها وخريجيها يقولون: «هذه أسباب جودتي».
وهنا تبدأ المسألة الأكثر عمقًا: ماذا يحدث حين تصبح معايير الاعتماد العدسة الوحيدة التي ننظر من خلالها إلى الجامعة؟ قد يتحول السؤال تدريجيًا من «هل نقدم تعليمًا متميزًا؟» إلى «هل نستطيع إثبات أننا استوفينا المعيار؟». ومن هنا تنشأ ثقافة الامتثال، حيث يصبح إعداد التقارير والمؤشرات وخطط التحسين غاية في ذاتها بدل أن تكون وسيلة لتحسين التعليم. ولا يعني هذا أن تلك الأدوات غير مهمة؛ بل هي ضرورية لأي مؤسسة جادة. لكن الخطر أن يصبح نجاح المؤسسة في توثيق الجودة أكثر وضوحًا من نجاحها في صناعة الجودة: فوجود خطة للتحسين لا يعني أن الأداء قد تحسن فعلًا، ووجود آلية لقياس مخرجات التعلم لا يعني أن الطلاب بلغوها بمستوى مرتفع. السؤال الحقيقي ليس «هل لديكم نظام؟» بل «ماذا أنتج هذا النظام؟».
وهذا الفراغ بين التوثيق والواقع يظهر جليًا حين نتأمل الأرقام التي تُعلنها الجهات التعليمية. فحين تُعلن مؤسسة سعودية أنها حققت نسبة مرتفعة من مؤشرات الاعتماد المؤسسي، نادرًا ما يقترن هذا الإعلان بالإفصاح عن نسبة توظيف خريجيها في تخصصاتهم فعليًا، أو عن تقييم أصحاب العمل لمستوى استعدادهم المهني، أو عن مقارنة نتائج طلابها بنظرائهم في مؤسسات مماثلة. فالرقم بلا سياق لا يكفي، والمؤشر بلا مقارنة قد يتحول إلى مرآة ترى المؤسسة فيها نفسها فقط. ولن يكتسب مؤشر «استيفاء المعايير» معناه الكامل إلا حين يُقرأ إلى جانب مؤشرات الأثر: التوظيف، والابتكار، ورضا سوق العمل، وقدرة الخريج على المنافسة إقليميًا لا محليًا فحسب.
ومن هنا تأتي قضية المقوّم الأكاديمي، وهي قضية تستحق الحساسية والإنصاف معًا. فالمقوّم ليس خصمًا للجامعة، وليس من الإنصاف التشكيك في حياده أو كفاءته لمجرد أنه يعمل وفق معايير الاعتماد؛ بل إن وجود مقوّمين مدربين عنصر مهم في ضمان جودة العملية نفسها. لكن ينبغي أن نميز بين «الخبرة في نظام الاعتماد» و»الخبرة في التميز الأكاديمي». فعضو هيئة التدريس الذي يتلقى تدريبًا متخصصًا في معايير الاعتماد يصبح أكثر قدرة على قراءة الأدلة والحكم على استيفاء المعايير، وهذه خبرة مهمة بلا شك، لكنها لا تعني بالضرورة أنه أصبح قادرًا على الإجابة عن سؤال مختلف تمامًا: أين يقف هذا البرنامج مقارنة بأفضل البرامج في العالم؟ فالمقوّم قد يستطيع أن يقول «البرنامج حقق المتطلب»، لكن السؤال الذي يحتاج إلى خبرة أخرى هو «هل حقق مستوى استثنائيًا مقارنة بأفضل الممارسات العالمية؟». الأول سؤال في الاعتماد، والثاني سؤال في التميز، ولا يلزم أن يجيب عنهما الشخص نفسه أو الأداة نفسها.
وهذا الفرق بالغ الأهمية؛ لأن الجودة ليست درجة واحدة. فقد تكون مؤسستان مستوفيتين للمعايير نفسها، لكن إحداهما تتفوق على الأخرى في البحث العلمي، وفي انتقائية الطلاب، وفي فرص الخريجين وتأثيرهم. وكلتاهما قد تحملان شهادة الاعتماد ذاتها. ولذلك لا ينبغي أن يتحول الاعتماد إلى ترتيب مقنّع للجامعات؛ فالاعتماد الكامل لا يعني بلوغ قمة التميز، كما أن الاعتماد المشروط لا يعني بالضرورة مؤسسة ضعيفة.
ويعود بنا هذا كله إلى الطالب، لأنه الاختبار الأكثر صدقًا لأي منظومة تعليمية. ليس السؤال: هل تخرّج الجامعة طلابها؟ بل: ما القيمة التي أضافتها إليهم؟ ماذا كانوا يعرفون قبل الدخول، وماذا أصبحوا يعرفون بعده؟ هل أصبحوا أكثر قدرة على التفكير والتحليل وحل المشكلات التي لا توجد لها إجابة جاهزة في الكتاب؟ فإذا كانت الجامعة قد صنعت هذا الفرق، فهناك جودة حقيقية يمكن الدفاع عنها، حتى قبل أن نتحدث عن الشهادة.
ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن توجهه وزارة التعليم، وهيئة تقويم التعليم والتدريب، إلى كل مؤسسة بعد كل اعتماد ليس: هل اجتزتم الزيارة؟ بل: ماذا تغيّر فعلًا في مستوى طلابكم وخريجيكم منذ آخر دورة اعتماد، وهل تملكون بيانات أثر -لا بيانات امتثال فقط- تثبت ذلك؟ فحين يصبح هذا السؤال جزءًا رسميًا من متطلبات ما بعد الاعتماد، لا مجرد تأمل نظري، يتحول الاعتماد من غاية في ذاته إلى أداة حقيقية ضمن منظومة متكاملة للجودة.
فالورق يثبت أن النظام موجود، والنتائج تثبت أن النظام يعمل، والأثر يثبت أن المؤسسة تستحق الثقة. أما التميز فلا تمنحه شهادة؛ بل تصنعه السنوات والإنجازات. والاعتماد يمكن أن يفتح باب الجودة، لكنه وحده لا يصعد بالجامعة إلى القمة - والقمة لا تمنحها الشهادات؛ القمة تصنعها العقول، وتثبتها النتائج، ويشهد لها الأثر.
** **
- د. خالد بن سرحان المطيري