الرياض - «الجزيرة»:
قدم باحث متخصص في شؤون الأوقاف تصورا لمشروع وقفي يسهم في توفير السكن للأسر المحتاجة، حيث يقوم مشروع القرى الوقفية لإنشاء تجمعات سكنية متكاملة على أراضٍ وقفية، تخصص أساسًا لإسكان الأسر الشباب وفق ضوابط ومعايير واضحة، كشرط الزواج، والشهادة الجامعية، وحسن السيرة، إلخ، مع المحافظة على أصل الأرض وقفًا وعدم انتقال ملكيتها إلى الأفراد، وذلك لأن السكن الملائم يعد إحدى الحاجات الأساسية للأسرة، ويظل توفيره للأسر المحتاجة مجالًا واسعًا يمكن للمؤسسات الوقفية أن تسهم فيه بصورة أكثر استدامة، من خلال مشروعات لا تقتصر على تقديم مسكن مؤقت أو مساعدة مالية محدودة، وإنما تؤسس بيئة سكنية متكاملة تحفظ كرامة الأسرة، وتحقق لها الاستقرار، وتستثمر في الوقت نفسه خصائص الوقف القائمة على الدوام واستمرار المنفعة.
وكشف لـ«الجزيرة»: الشيخ إبراهيم بن محمد بن إبراهيم السماعيل الباحث في شؤون الأوقاف أن فكرة المشروع تقوم على تخصيص أرض كبيرة تكون موقوفة أصلًا لهذا الغرض، أو تقوم مؤسسة وقفية أو مجموعة من المؤسسات الوقفية بتوفيرها ووقفها للمشروع، كما يمكن أن ينشأ للمشروع صندوق وقفي مستقل يتولى دعم أغراضه واستدامته، ويراعى في اختيار الأرض أن تقع خارج النطاقات العمرانية مرتفعة القيمة، مع قربها المعقول من المدن أو المحافظات، واتصالها بالطرق الرئيسة ووسائل النقل، حتى يجتمع في الموقع انخفاض قيمة الأرض وسهولة الوصول إلى مراكز العمل والخدمات، وتتولى الجهة الوقفية إعداد المخطط العام للقرية، واستكمال التراخيص والموافقات اللازمة بالتنسيق مع الجهات الحكومية المختصة، ثم الاتفاق مع مطور عقاري لتنفيذ الوحدات السكنية والمرافق وفق مواصفات محددة، مع الحرص على جودة البناء وحسن التصميم وخفض التكلفة من خلال كفاءة التخطيط والتنفيذ، دون أن يكون ذلك على حساب جودة الوحدة السكنية أو سلامتها، وتصمم القرية بصورة منظمة، بحيث تكون محددة المداخل ومنظمة الحركة، ويراعى في تصميمها الأمن والخصوصية وسهولة الرقابة، مع اتصالها الكامل بشبكة الطرق والمناطق المحيطة، ويقوم تخطيطها على شوارع واضحة ومربعات سكنية منتظمة، يضم كل مربع منها عددًا مناسبًا من الوحدات بحسب المخطط المعتمد.
وتخصص لكل وحدة أرض في حدود 250 مترًا مربعًا تقريبًا، أما مسطح البناء وعدد الأدوار وتوزيع الغرف والمرافق فيحدد وفق المخطط الهندسي والأنظمة المعتمدة، على أن تكون الوحدة مناسبة في أصل تصميمها لأسرة يتراوح عدد أفرادها في المتوسط بين ثلاثة وستة أفراد، أما عدد وحدات القرية فيحدد بحسب مساحة الأرض وموقعها، ويمكن أن تبلغ القرية في النماذج الكبيرة نحو ألفي وحدة سكنية أو أكثر.
واسترسل الباحث إبراهيم السماعيل حديثه بالقول: لا تقتصر القرية الوقفية على المساكن، بل تخطط منذ البداية بوصفها بيئة عمرانية متكاملة، فتخصص فيها المواقع اللازمة للمساجد، والمدارس بمراحلها المختلفة، والمركز الصحي، والملاعب والمرافق الرياضية، والأسواق والخدمات التجارية، والمواقف، والحدائق والمرافق العامة، وما تحتاج إليه من مرافق للشرطة والدفاع المدني والخدمات الحكومية بحسب حجم السكان ومتطلبات الجهات المختصة، كما تجهز الأرض بشبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي والطرق وغيرها من البنية الأساسية قبل اكتمال مراحل البناء السكني، وبعد انتهاء المشروع توزع الوحدات على الأسر المحددة وفق المعايير الدقيقة المعتمدة مسبقا، وتكون الأرض باقية على صفتها الوقفية، فلا تدخل قيمتها ضمن الثمن الذي تتحمله الأسرة، وإنما يكون المقابل المتعلق بالوحدة في حدود تكلفة المبنى وفق الآلية التي يعتمدها المشروع، وبذلك يستفيد المستحق من انخفاض تكلفة السكن نتيجة عدم تحميله قيمة الأرض، ويقوم هذا النموذج على الفصل بين ملكية الأرض الوقفية وملكية المبنى المقام عليها؛ فتبقى رقبة الأرض وقفًا، بينما يكون للمستفيد حق في المبنى وفق التنظيم الذي يحدد للمشروع، ولا يجوز نقل الوحدة بالبيع أو الهبة أو التنازل إلا إلى شخص مستوفٍ لشروط الاستحقاق، وبعد موافقة الجهة المختصة بإدارة القرية والمؤسسة الوقفية، حتى لا تنحرف الوحدات بمرور الزمن عن الغرض الذي أنشئت من أجله، وفي حالة وفاة مالك المبنى، لا يبقى المبنى ملكًا مشاعًا بين عدد من الورثة بما قد يؤدي إلى النزاع أو تعطل الانتفاع به، وإنما تنتقل ملكيته إلى شخص واحد من الورثة أو إلى مستحق آخر، عن طريق البيع أو التنازل أو الهبة وفق ما يتفق عليه الورثة وما يقرره النظام المنظم للمشروع، مع مراعاة شروط الاستحقاق وموافقة الجهات المشرفة على القرية.
وأكد إبراهيم السماعيل على أهمية المحافظة على هوية المشروع وتنظيمه، حيث يوضع لكل قرية «ميثاق القرية الوقفية»، يتضمن نوعية السكان المؤهلين لهذه المساكن وحقوقهم والتزاماتهم، وضوابط الانتفاع بالوحدات، وقواعد انتقالها، والمحافظة على المظهر العمراني، ومنع التعديلات العشوائية في الواجهات والألوان أو إضافة المباني بما يخل بالمخطط أو يضر بالمرافق العامة، إلى جانب القواعد المنظمة لاستخدام المرافق والخدمات المشتركة، كما ينشأ للقرية «مجلس للقرية الوقفية» يتولى إدارة شؤونها المشتركة والإشراف على المرافق والخدمات التي تدخل في نطاق اختصاصه، بالتنسيق مع المؤسسة الوقفية والجهات الحكومية ذات العلاقة، وتظل المؤسسة أو المؤسسات الوقفية المشرفة على المشروع حاضرة في إدارة القرية ورقابتها؛ حمايةً لأصل الوقف وضمانًا لاستمرار المشروع في تحقيق غايته، كما يُفرض على كل وحدة سكنية رسم سنوي معتدل، تحدد المؤسسة الوقفية مقداره في ميثاق القرية، ويودع في «صندوق القرية»، ويخصص لصيانة المرافق المشتركة وتطوير القرية ودعم احتياجاتها العامة، كما تبقى الأسواق والمحال التجارية ومحطات الوقود وغيرها من الأصول التجارية العامة المرتبطة بالمشروع تحت إدارة الجهة المشرفة على القرية، وتؤجر للمستثمرين، وتوجه عوائدها إلى صندوق القرية وأغراضها المشتركة.
أما ارتباط القرية إداريًا بالجهات الحكومية، فيحدد بالتنسيق مع الجهات المختصة بحسب حجمها وعدد سكانها وموقعها، بما يضمن وصول الخدمات الحكومية إليها وانتظام إدارتها ضمن النظام الإداري المعتمد في المملكة.
واختتم الباحث إبراهيم السماعيل حديثه: إن مشروع «القرى الوقفية» لا يقوم على مجرد إنشاء مساكن متجاورة، وإنما يقدم تصورًا لبيئة سكنية وقفية متكاملة، يجتمع فيها حفظ أصل الأرض، وتيسير السكن للشباب، وجودة التخطيط، وتكامل الخدمات، والانضباط العمراني، والإدارة المستدامة، وهو مشروع قابل لأن تتبناه مؤسسة وقفية واحدة أو أن تشترك فيه عدة مؤسسات، كما يمكن أن يقوم حوله صندوق وقفي متخصص، مشيراً إلى أن هذا التصور يبقى إطارًا أوليًا يحتاج بعد إقراره من حيث المبدأ إلى دراسات مستقلة تتناول الجوانب النظامية والهندسية والإدارية والمالية والتنفيذية، وتحدد النموذج الأمثل للعلاقة بين الأرض الوقفية والوحدات السكنية والسكان والجهة الوقفية المشرفة، تمهيدًا لتحويل الفكرة من تصور مقترح إلى نموذج قابل للتطبيق.