لم تعد متابعة الرياضة، خصوصًا كرة القدم، كما كانت في السابق. فقد كانت المباراة موعدًا ثابتًا ينتظره المشجع، ويعيش تفاصيله منذ صافرة البداية حتى النهاية، ثم تمتد أصداؤها إلى أحاديث الأصدقاء والعائلة والعمل. أما اليوم، ففي عالم مزدحم بالشاشات والمنصات والمحتوى المتجدد، باتت المباراة تنافس خيارات لا تنتهي على وقت المشاهد وانتباهه.
قبل عدة أعوام، لفت فلورنتينو بيريز، رئيس نادي ريال مدريد الإسباني، النظر إلى هذه المسألة حين أشار إلى تراجع اهتمام شريحة من الشباب بين 16 و24 عامًا بكرة القدم، وربط ذلك بكثرة المباريات التي لا تجذبهم، وبوجود منصات ترفيهية أخرى تستحوذ على وقتهم. ورغم أن حديثه جاء في سياق دفاعه عن تصورات لتغيير شكل المنافسات الأوروبية، فإنه يطرح سؤالًا يتجاوز كرة القدم وحدها: هل تغيّرت علاقة الجيل الجديد بمتابعة الرياضة؟
المشكلة ليست في غياب المعلومات الرياضية. فاليوم يستطيع أي متابع أن يعرف النتيجة والتشكيلة وخبر الانتقال وردود الأفعال خلال دقائق. لكن سهولة الوصول إلى كل شيء غيّرت طريقة المتابعة نفسها؛ فالمباراة الكاملة أصبحت تنافس الملخصات والمقاطع القصيرة والعناوين العاجلة واللقطات المثيرة للجدل، التي تختصر تسعين دقيقة في لحظات معدودة.
في السابق، كان الانتماء الرياضي يُبنى مع الوقت: مواسم طويلة، وانتصارات وخسائر، ولاعبون يرحلون وآخرون يأتون، وجمهور يبقى حاضرًا. أما في زمن الإشعارات والمقاطع القصيرة، فقد يصبح الارتباط أكثر قابلية للتبدل. فالمتابع الذي لا يرى من المباراة سوى لحظات منتقاة قد يستمتع بما يشاهده، لكنه لا يكوّن بالضرورة علاقة ممتدة بالفريق أو بالمنافسة.
ولا يعني ذلك أن الشغف الرياضي قد اختفى تمامًا من حياة الشباب؛ فالملاعب ما زالت تمتلئ، والبطولات الكبرى تحظى باهتمام واسع. لكن هذا الشغف يواجه اليوم ضغطًا متزايدًا في ظل منافسة شرسة من الهواتف والألعاب الإلكترونية ومنصات البث التي تقدم بدائل سريعة ومتجددة باستمرار.
وهنا يتجاوز التغيّر حدود الشاشات وأدوات العرض؛ ليتناول طريقة متابعة تفاصيل الموسم وموسم التشجيع نفسه. وحين تتلاشى تفاصيل المباريات لصالح المحتوى السريع، سيظل الاهتمام باللعبة قائمًا، لكن بصورة تفتقد ترابطها المعتاد.
قد لا يكون الجيل الجديد قد ابتعد عن كرة القدم، لكنه بالتأكيد لم يعد يتابعها بالطريقة نفسها. فبين مشجع ينتظر المباراة ويعيش تفاصيلها، وآخر يكتفي بنتيجتها أو بلقطة عابرة منها، تبدّلت طريقة المتابعة وتغيّرت معها ملامح الشغف الكروي. وإذا كانت تسعون دقيقة تُختصر اليوم في لقطة، فهل يبقى الشغف كما كان؟.
** **
خالد المحارفي - باحث دكتوراه في علم الاجتماع الرياضي