كان من المفترض أن تصبح جدة مسرحاً لبطولة كأس الخليج قبل اثني عشر عاماً من «خليجي 27» المقبلة. ففي أكتوبر 2013 أُسندت إليها رسمياً استضافة النسخة الثانية والعشرين، بعد نقلها من البصرة، وبدأت البطولة طريقها نحو أول استضافة سعودية خارج الرياض. لكن الوجهة تغيرت بعد أربعة أشهر، وفي فبراير 2014 تقرر نقل الدورة من جدة إلى العاصمة. ولهذا فإن جدة في دورة 2026 تستعيد موعداً كان مقرراً لها منذ 2014 دون أن يكتمل.
انطلقت «خليجي 22» في يوم الخميس 13 نوفمبر على استاد الملك فهد الدولي، وكان ذلك الخميس الاستثناء الوحيد بين «أربعاءات» افتتاح باقي النسخ السعودية. شرّف انطلاقة الدورة ولي ولي العهد حينها الأمير مقرن بن عبدالعزيز، نيابة عن الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وألقى الأمير عبدالله بن مساعد بن عبدالعزيز، الرئيس العام لرعاية الشباب ورئيس اللجنة العليا المنظمة، كلمة الحفل قبل إعلان افتتاح البطولة.
ضمت قائمة الضيوف أسماء كبيرة في كرة القدم العالمية، يتقدمها رئيس «فيفا» جوزيف بلاتر، ورئيس الاتحاد الأوروبي ميشال بلاتيني، ورئيس الاتحاد الآسيوي الشيخ سلمان بن إبراهيم آل خليفة.
جاء حفل الافتتاح أقصر وأكثر بساطة من الافتتاحات السعودية السابقة. أطفئت أنوار الاستاد، وعرضت على مجسم في منتصف الملعب لقطات من تاريخ البطولة، ثم أدى رابح صقر وحسين الجسمي أغنية «إذا اتحدنا»، من كلمات عبدالله أبو راس وألحان رابح صقر. وبعد الحفل تعادلت السعودية وقطر 1-1، ولم يكن أحد يعرف أن المنتخبين سيعودان إلى الملعب نفسه في آخر ليلة من البطولة.
لكن المشهد الذي استحوذ سريعاً على النقاش لم يكن فوق أرضية الملعب، وإنما في المدرجات. جاء الحضور في الافتتاح والجولات الأولى دون التوقعات، وتحول عزوف الجمهور إلى قضية تتداولها الصحافة والبرامج الرياضية. وهي صورة ستنقلب تماماً في نهاية البطولة، مع تقدم المنتخب السعودي واقترابه من اللقب.
شاركت ثمانية منتخبات، ولُعبت في البطولة 16 مباراة سُجل خلالها 33 هدفاً، وأُشهرت 73 بطاقة صفراء من دون بطاقة حمراء واحدة. أما أكثر الأرقام غرابة فصنعها المنتخب القطري؛ فقد أنهى دور المجموعات بثلاثة تعادلات، من دون أن يحقق أي فوز، وسجل هدفاً واحداً فقط واستقبل مثله. ومع ذلك عبر إلى نصف النهائي، وفاز هناك على عُمان 3-1، ليحجز موعداً جديداً مع السعودية.
وفي الإعلام أيضاً بدا الفارق الهائل بين هذه الدورة واستضافة الرياض السابقة. فحقوق النقل التي بدأت في «خليجي 15» بأرقام لا تتجاوز مئات الآلاف من الدولارات، اشترتها شركة إيطالية من الاتحاد السعودي لكرة القدم بنحو 38 مليون دولار. خلال اثني عشر عاماً، تحولت البطولة من تجربة ناشئة في تسويق البث إلى منتج تلفزيوني بعشرات الملايين.
المنتخب السعودي تصدر مجموعته بسبع نقاط، ثم تجاوز الإمارات 3-2 في نصف النهائي. وفي 26 نوفمبر جاءت الصورة المعاكسة تماماً لبداية الدورة؛ قاربت مدرجات «الدرة» الامتلاء بنحو ستين ألف متفرج. تقدم سعود كريري للسعودية في الدقيقة 16، لكن المهدي علي أدرك التعادل لقطر بعد دقيقتين فقط، ثم سجل بوعلام خوخي هدف الفوز في الدقيقة 58. انتهت المباراة 2-1، وحققت قطر لقبها الخليجي الثالث، والأول لها خارج أرضها. وتولى الأمير عبدالله بن مساعد، نيابة عن الملك عبدالله، تتويج المنتخب القطري بالكأس.
هكذا بدأت «خليجي 22» بتعادل السعودية وقطر وانتهت بالمواجهة نفسها، وبدأت قصتها التنظيمية باسم جدة ثم أقيمت كاملة في الرياض.
وبعد اثني عشر عاماً، تعود الحكاية إلى النقطة التي لم تكتمل: في 23 سبتمبر 2026 تبدأ جدة أول استضافة خليجية فعلية لها، في افتتاح يتزامن مع اليوم الوطني، وكأن عروس البحر الأحمر تستعيد موعداً انتظرته منذ 2014.