«الجزيرة» - أحمد الأسمري:
ابتداءً من اليوم الأربعاء 23 سبتمبر الجاري، تحتضن جدة لأول مرة كأس الخليج العربي لكرة القدم، وتصبح المدينة السعودية الثانية التي تستقبل البطولة بعد الرياض. وهي الاستضافة الخامسة للمملكة، بعد أربع نسخ أقيمت جميعها في العاصمة: الثانية عام 1972، والتاسعة عام 1988، والخامسة عشرة عام 2002، والثانية والعشرون عام 2014.
وتتزامن ضربة البداية هذه المرة مع اليوم الوطني للمملكة، قبل أن تختتم «خليجي 27» في 6 أكتوبر.
لكن علاقة السعودية بكأس الخليج أقدم من سجل الاستضافة نفسه. القصة بدأت على مائدة عشاء في الرياض مساء 14 أبريل 1968. كان الأمير خالد الفيصل، مدير عام رعاية الشباب آنذاك، يستضيف الشيخ محمد بن خليفة آل خليفة وبعثة بحرينية، فطرح فكرة إقامة دورة كروية تجمع منتخبات الخليج. وفي اليوم التالي عرض الأمر على والده الملك فيصل بن عبدالعزيز، فوجد منه التأييد، وطلب منه أن يوفر للبحرين كل ما تحتاج إليه لتطبيق الفكرة وتنظيم البطولة. وبعد ذلك حمل الجانب البحريني المقترح إلى ستانلي روس، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، خلال أولمبياد مكسيكو في العام نفسه.
تحركت الفكرة سريعاً. وفي 19 يونيو 1969 عُقد في المنامة اجتماع لبحث النظام الأول للبطولة، ثم استضافت البحرين النسخة الافتتاحية عام 1970، وشاركت قطر فيها بإذن خاص من «فيفا». وبعد عامين فقط، وأربع سنوات من ليلة العشاء في الرياض، عادت الفكرة إلى البلد الذي خرجت منه، واستضاف ملعب الملز النسخة الثانية من 15 إلى 28 مارس 1972، مع انضمام الإمارات للمرة الأولى وارتفاع عدد المنتخبات إلى خمسة.
افتتح الملك فيصل الدورة في يوم أربعاء، وتعادلت السعودية والكويت 2-2 في المباراة الأولى. أما الحفل نفسه فيحفظ صورة مختلفة عن افتتاحات اليوم. ألقى الأمير فيصل بن فهد بن عبدالعزيز، مدير عام رعاية الشباب، كلمة قال فيها: «نحتفل اليوم بافتتاح الدورة الثانية لدول الخليج على مستوى رياضي ينم عن تلاحم القلوب المؤمنة وينبئ عن تماسك الأفكار الخيرة». ثم تقدم قائد المنتخب السعودي عبدالرزاق أبو داود فأدى قسم الدورة وردده اللاعبون، وأعقبت ذلك العروض واللوحات وطلقات المدافع وإطلاق الحمام الأبيض.
وحضر مباراة الافتتاح نحو 35 ألف متفرج، فيما وصلت إلى الرياض طائرة خاصة تقل عدداً من المشجعين الكويتيين، وعبرت الحدود أكثر من 400 سيارة كويتية، في صورة مبكرة لما ستصنعه البطولة لاحقاً من حركة جماهيرية بين دول الخليج.
ولم تخلُ البطولة صغيرة العمر من واقعة كبيرة الأثر. انسحب المنتخب البحريني أثناء مباراته الأخيرة أمام السعودية بعد احتجاجات على التحكيم وطرد اثنين من لاعبيه، فألغيت نتائجه كلها. وبذلك انتهت السعودية والكويت متساويتين بخمس نقاط، وحسم فارق الأهداف اللقب للكويت للمرة الثانية على التوالي، وأثمرت الواقعة التنظيمية قراراً بأن تقام مستقبلاً مباراة فاصلة إذا تساوى فريقان في النقاط على الصدارة.
وكانت الدورة قد شهدت فعلياً 10 مباريات و40 هدفاً، لكن شطب نتائج البحرين جعل السجل الرسمي يستقر على 6 مباريات و25 هدفاً. وخرج السعودي سعيد غراب هدافاً بخمسة أهداف محتسبة، وسجل محمد المغنم «الصاروخ» في مرمى الإمارات بعد سبع عشرة ثانية فقط من البداية، في أسرع هدف في تاريخ كأس الخليج حتى اليوم.
وجاءت أكبر نتائج النسخة بفوز الكويت على الإمارات 7-0. أما الإمارات، الوافد الجديد، فأنهت مشاركتها الأولى في المركز الثالث بعد فوزها على قطر بهدف سهيل سالم.
وفي الختام، تولى الملك فهد بن عبدالعزيز، النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية آنذاك، تسليم كأس البطولة إلى قائد الكويت عبدالله العصفور.
هكذا انتهت أول استضافة سعودية: الكأس ذهبت إلى الكويت، لكن الفكرة عادت إلى مهدها، وظهر فيصل بن فهد في واجهة بطولة سيصبح لاحقاً أحد أبرز وجوهها وأكثرها ارتباطاً بتاريخها.