جماعة الحوثي، التي أطلقت على نفسها تسمية «أنصار الله»، وتعينت معالمها بشكل أكثر وضوحا في التسعينيات، لم تكن هذه الجماعة مجرد حركة دينية أو فكرية محلية تهدف إلى الإصلاح أو المطالبة بحقوق فئوية، بل تشكلت منذ لحظاتها الأولى كأداة ضمن مشروع إقليمي عابر للحدود يسعى لإعادة رسم الخرائط الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط.
يعتمد الإطار الفكري والعقائدي للجماعة على المزيج بين النظرية المذهبية المغلقة والشعارات الثورية المستوردة، وهو النموذج الذي استنسخ تجربة الثورة الإيرانية لعام 1979 وهياكلها التنفيذية والتنظيمية.
ومن هذا المنطلق، لم يكن صعود الحوثيين وتمددهم في الساحة اليمنية نتيجة لظروف طبيعية أو تطور سياسي داخلي، بل كان حلقة من حلقات مشروع تقويض الدولة الوطنية وإحلال المليشيات المسلحة محل المؤسسات الدستورية.
لقد تجلى مشروع الفوضى المستوردة بشكل مباشر عندما استغلت الجماعة حالة الاضطراب السياسي والأمني التي رافقت أحداث عام 2011 في اليمن، وبالرغم من مشاركتها الظاهرية في مؤتمر الحوار الوطني الشامل، إلا أنها كانت تعمل بالتوازي على بناء قدراتها العسكرية، والتمدد الميداني، والتنسيق المباشر مع القوى الخارجية الداعمة لها.
وفي سبتمبر 2014، توجت الجماعة هذا المسار بالسيطرة على العاصمة صنعاء في انقلاب عسكري متكامل الأركان على السلطة الشرعية والمبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني.
إن اجتياح مؤسسات الدولة ومصادرة سلاح الجيش اليمني لم يكن سوى نقطة الانطلاق لتنفيذ أجندة أكبر، تمثلت في تحويل اليمن إلى منصة للصراعات الإقليمية وتهديد خطوط الملاحة الدولية وأمن دول الجوار، مما أدخل البلاد في أتون أزمة إنسانية واقتصادية وسياسية هي الأشد في تاريخها الحديث.
ترتكز خطورة المشروع الحوثي على نفي مفهوم الدولة الوطنية الحديثة والقائمة على المواطنة المتساوية وسيادة القانون، واستبدلت الجماعة القوانين والأنظمة بفكر قائم على الحق الإلهي في الحكم والاستعلاء الفئوي، حيث جرى تقديد الطائفية وتغليبها على الهوية الوطنية الجمعية لليمنيين.
هذا النهج أدى إلى تمزيق النسيج الاجتماعي وتفتيت القواعد الثقافية التي عاش عليها اليمنيون لقرون في تعايش وسلام، ولم تكتفِ الجماعة بالسيطرة السياسية والعسكرية، بل عمدت إلى تجريف القطاع التعليمي وتغيير المناهج الدراسية لغرس أفكار ومفاهيم مستوردة في أذهان الأجيال الجديدة، وإقامة معسكرات صيفية تُستخدم لحشد الأطفال وتعبئتهم فكريا وعسكريا، مما يهدد بمستقبل مظلم ويضمن استدامة الصراع لسنوات طويلة قادمة.
أما على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، فقد أسهمت سياسات الجماعة في تحويل الاقتصاد الوطني إلى اقتصاد موازٍ يدار لصالح متنفذيها ومراكز القوى داخلها، إذ جرى السطو على موارد الدولة، وفي مقدمتها الإيرادات الضريبية والجمركية والقطاع المصرفي، وتوقف صرف مرتبات موظفي القطاع المدني، مع فرض إتاوات بغير وجه حق على القطاع الخاص والمواطنين.
أدى هذا السلوك إلى شلل تام في الدورة الاقتصادية وارتفاع غير مسبوق في معدلات الفقر والبطالة، مما جعل أغلبية الشعب اليمني معتمدة بشكل كامل على المساعدات الإغاثية والإنسانية.
وعلى الرغم من المساعدات الضخمة التي تقدمها المنظمات الدولية، إلا أن الجماعة دأبت على نهب هذه المساعدات، وإعاقة عمل المنظمات الإنسانية، وتوجيه الإغاثة لدعم المجهود الحربي أو كأداة للضغط والابتزاز السياسي والتجنيد الإجباري.
إن البعد الإقليمي والدولي للمشروع الحوثي يظهر بوضوح من خلال الترسانة العسكرية التي تمتلكها الجماعة وتستعملها، إذ تم إمدادها بالطائرات المسيرة، والصواريخ الباليستية، والألغام البحرية، والتقنيات العسكرية المتقدمة عبر شبكات تهريب منتظمة تعبر البحار والصحاري.
إن استخدام هذه الأسلحة المتقدمة لا يخدم أي هدف وطني يمني، بل يستهدف أمن الطاقة العالمي، ويهدد حركة التجارة عبر مضيق باب المندب والبحر الأحمر، وهو شريان حيوي للاقتصاد العالمي، هذا الاستخدام الممنهج للأسلحة ضد المدن والمنشآت المدنية وخطوط الملاحة يؤكد أن الجماعة تعمل كوكيل عسكري ينفذ إستراتيجيات إقليمية لا تمت بصلة لمصالح اليمنيين، بل تضحي بالبلاد ومقدراتها في سبيل تحقيق مكاسب في أوراق التفاوض الصعبة للقوى الداعمة لها.
ولم تسلم الحقوق والحريات الأساسية من الانتهاكات الجسيمة التي مارستها الجماعة منذ فرض سيطرتها بالقوة، فقد ألغيت التعددية السياسية والإعلامية، واُغلقت الصحف والمؤسسات الإعلامية المستقلة والمعارضة، واُعتُقل العشرات من الصحفيين والناشطين والسياسيين والحقوقيين، وصدرت بأحقيتهم أحكام قاسية في محاكمات افتقرت لأدنى مقومات العدالة.
كما تفاقمت ظاهرة الاختطاف والإخفاء القسري والتعذيب داخل السجون والمعتقلات، فضلا عن فرض قيود مشددة على حريات النساء وحركتهن، ما عكس توجها قمعيا شاملا يهدف إلى إسكات أي صوت يعارض التوجهات الفكرية أو السياسية للجماعة، وتحويل المجتمع إلى حالة من الخوف والترهيب الدائم.
تعتبر زراعة الألغام بكافة أنواعها وأشكالها واحدة من أخطر الجرائم الممتدة التي ارتكبتها الجماعة بحق الشعب اليمني، فقد أشار الخبراء الدوليون والتقارير الميدانية إلى أن اليمن شهد أكبر عملية زراعة للألغام منذ الحرب العالمية الثانية، حيث جرى نشر مئات الآلاف من الألغام الفردية والمضادة للآليات في المزارع، والطرائق، والمدارس، والمناطق السكنية دون وضع خرائط تنبؤية أو توضيحية، إن هذه الألغام لا تميز بين عسكري ومدني، وقد تسببت في قتل وإصابة عشرات الآلاف من الأطفال والنساء والمدنيين الأبرياء، وستظل عائقا رئيسيا أمام التنمية والعودة للرحاب الطبيعية، ومصدرا للرعب الممتد لعقود قادمة حتى بعد انتهاء المواجهات العسكرية.
تجلت الآثار الكارثية لهذا المشروع الفوضوي أيضا في موجات النزوح الداخلي والهجرة القسرية التي طالت ملايين اليمنيين، فقد اضطرت أعداد هائلة من العائلات إلى ترك منازلها وممتلكاتها والفرار نحو مناطق أكثر أمنا أو الانتقال إلى مخيمات النزوح التي تفتقر لأبسط مقومات الحياة الكريمة، هذا التهجير القسري أدى إلى تغييرات ديموغرافية ضاغطة على الخدمات الأساسية المتهالكة في مناطق النزوح، وفرض أعباء إضافية على المجتمعات المحضنة، مما ضاعف من حدة الأزمة الإنسانية الشاملة التي تعيشها البلاد.
إن مواجهة هذا المشروع لا تكمن فقط في الخيار العسكري أو الحلول الأمنية، بل تتطلب إستراتيجية شاملة تعيد الاعتبار لمفهوم الدولة الوطنية ومؤسساتها الجامعة، إن إنهاء حالة الفوضى يتطلب تعزيز التضامن الوطني بين مختلف القوى والمكونات اليمنية، وترسيخ سيادة القانون، وتكثيف الجهود الدبلوماسية الدولية لتجفيف منابع الدعم المالي والعسكري الممتد للجماعة من الخارج، كما يتطلب الأمر حماية الهوية الوطنية والفكر الوسطي المتسامح الذي عرف به اليمن عبر تاريخه، لمواجهة محاولات التطييف والتغيير الثقافي والإيديولوجي القسري.
وفي المقابل يظل التجريف الذي أحدثته جماعة الحوثي في البنية التحتية والسياسية والاجتماعية لليمن شاهدا على خطورة المشاريع الإقليمية العابرة للحدود عندما تستخدم المليشيات المحلية للسيطرة على الشعوب، إن استعادة السلام والاستقرار في اليمن والمنطقة مرهون بإنهاء الانقلاب، وإعادة بناء المؤسسات الشرعية، واستعادة قرار الدولة السيادي، وتطبيق القرارات الدولية ذات الصلة، لضمان مستقبل يستحقه الشعب اليمن قائم على الحرية، والتنمية، والعدالة الاجتماعية، والعيش الكريم.
وفي حين لعبت المملكة العربية السعودية دورا محوريا وحاسما في دعم اليمن ومواجهة المشروع الحوثي الانقلابي على كافة المستويات، انطلاقا من روابط الأخوة والجوار وحرصا على استقرار المنطقة، وقد تجلى هذا الدور في الاستجابة لطلب السلطة الشرعية اليمنية لحماية المقومات الأساسية للدولة، وقادت التحالف العربي لمنع سقوط المؤسسات الوطنية وتأمين خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، إلى جانب العمل على حماية الحدود وتدمير العتاد والقدرات العسكرية المهربة للمليشيا من الخارج.
فمن الناحية السياسية والدبلوماسية، حرصت القيادة السعودية دائما على الاحتكام إلى أطر الحوار والحلول السلمية الجامعة لحل الخلافات اليمنية الداخلية وتجنب الانزلاق نحو الصراعات المسلحة، وقد برز هذا الدور بشكل جلي في رعاية المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية التي شجعت على الانتقال السلمي للسلطة وحقنت دماء اليمنيين وجنّبت البلاد آتون الحرب الأهلية.
ولم تتوقف الجهود السعودية عند هذا الحد، بل واصلت رعاية المسارات السياسية المختلفة، وجمعت القوى والمكونات الوطنية للتوصل إلى اتفاقات تعزز التلاحم الداخلي ورأب الصدع وترسخ دعائم الشراكة الوطنية، كما استثمرت المملكة ثقلها الدبلوماسي في المحافل الدولية لإشاعة السلام ودعم قرارات الشرعية الدولية والمنظمات الأممية ذات الصلة بالوضع اليمني، مقدّمة المبادرة تلو الأخرى لوقف إطلاق النار الشامل وإطلاق جولات الحوار البنّاءة لإنهاء الحرب وفق المراجع الأساسية المعترف بها دوليا.
وعلى الصعيد العسكري والأمني، جاء الدعم السعودي لحماية كيان الدولة اليمنية ومؤسساتها الوطنية من الانهيار الكامل وتأمين مقومات سيادتها، فقد قادت المملكة التحالف العربي بناء على طلب رسمي ومناشدة من السلطة الشرعية لمنع مصادرة الإرادة الشعبية وتجريف الهوية الوطنية، وركزت السعودية في جانبها العسكري والأمني على حماية المنشآت الحيوية، وتأمين الممرات المائية والموانئ التي تعد شريانا رئيسا لتتدفق عبره المساعدات الإغاثية والسلع الأساسية للشعب اليمني، إلى جانب حماية خطوط الملاحة المائية والتجارة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وتفكيك العتاد العسكري المهرب الذي يهدد السلام الإقليمي، فضلا عن تأمين المناطق المحررة وتوفير البيئة الملائمة لإعادة تشغيل مؤسسات الأمن والشرطة المحلية.
أما في الملف الاقتصادي والمالي، فكانت الاستجابة السعودية حاسمة للحيلولة دون انهيار الاقتصاد الوطني والعملة المحلية، فقد قدمت المملكة دعما ماليا مباشرا ومتواصلا للخزانة العامة وللبنك المركزي اليمني، مما سمح بالمحافظة على الحد الأدنى من الاستقرار المالي وتغطية اعتمادات استيراد المواد الغذائية والأساسية وتوفير المشتقات النفطية اللازمة لتشغيل محطات توليد الكهرباء في أغلب المحافظات، وهو ما خفف كثيرا من معاناة المواطنين اليومية وضمن استمرار العمل في الخدمات العامة التي لا غنى عنها كالمستشفيات والمدارس ومحطات مياه الشرب.
وفي مجالات التنمية والإعمار، أسست المملكة برامج تنموية مخصصة للنهوض بالبنية التحتية المتهالكة والمساعدة في مرحلة التعافي الاقتصادي، وقد شملت هذه الجهود تنفيذ وتجهيز مئات المشاريع والمبادرات التنموية الحيوية التي غطت قطاعات أساسية كالصحة، عبر إنشاء المستشفيات والمراكز الطبية وتجهيزها بأحدث المعدات وتشغيلها؛ والتعليم، من خلال بناء وتأهيل المدارس والجامعات وتوفير الطباعة المدرسية ووسائل النقل الطلابية؛ والماء والطاقة، بتطوير شبكات المياه وحفر الآبار وإنشاء محطات توليد الطاقة الشمسية؛ إضافة إلى قطاع النقل والموانئ لتسهيل حركة المواطنين والتجارة وتحديث الطرق والمطارات والموانئ اليمنية لتغدو قادرة على استقبال حركة الشحن بفاعلية أكبر.
ولا يمكن إغفال الجانب الإنساني والإغاثي الذي حظي بأولوية قصوى لدى المملكة؛ حيث تم تسخير الهيئات والمراكز الإغاثية السعودية لتوفير المساعدات الغذائية والإيوائية والطبية الطارئة لجميع الأسر المتضررة والنازحين في مختلف أرجاء اليمن دون استثناء.
وتأكيدا على الحرص التام على سلامة المواطنين، أطلقت المملكة مشاريع إنسانية نوعية رائدة تهدف إلى نزع الألغام والعبوات الناسفة العشوائية التي زرعت في القرى والمزارع والمدارس والطرقات، لتسهم هذه البرامج بشكل مباشر في إنقاذ حياة أعداد لا تحصى من الأبرياء وتطهير آلاف الكيلومترات المربعة لتعود آمنة للسكان، أضف إلى ذلك إقامة وتطوير مراكز تركيب الأطراف الصناعية وتأهيل المصابين وتوفير كافة أشكال الرعاية الصحية المستدامة لهم.
إن هذا التكامل بين الدعم السياسي، والأمني، والاقتصادي، والتنموي، والإنساني يبرهن على أن الدور السعودي في اليمن لم يكن مجرد تدخل لمواجهة تحديات مرحلية، بل هو التزام أخلاقي وتاريخي راسخ يستهدف إعادة بناء الدولة الوطنية اليمنية، وحماية أمنها واستقرارها، وتمكين شعبها من استعادة زمام المبادرة والعيش في سلام وتنمية وازدهار.
** **
- د. أحمد حساني