في الشدائد لا تُختبر صلابة الجدران، بل صلابة الإنسان، وشعبنا الذي استحق أن يكون كجبل طويق بهمته، لم تكن الشجاعة طارئة على أرضه، ولا النخوة خُلقًا مستحدثًا في أهله؛ بل إرثٌ توارثته الأجيال، وقيمٌ رسّخها الإيمان، وشخصيةٌ صاغتها الصحراء بصبرها وجَلَدها، فإذا امتُحن الشعب السعودي لم يزدد إلا إيمانًا وثباتًا، وإذا اشتدّ الخطر ارتفعت همّته، وإذا نادى الواجب تقدّم أبناؤه وبناته بشجاعة لا تنتظر أمرًا ولا تطلب ثناءً؛ فلا يبحثون عن طريق النجاة لأنفسهم، بل عن طريق ينجو به الجميع.
حين امتدت يد العدوان الآثمة، التي نفّذتها عصابات الحوثي الإجرامية، لتستهدف مطار الملك خالد الدولي وأرواح الأبرياء من أبناء هذا الوطن وقاصديه، في جريمة إرهابية جبانة مدانة بكل المقاييس الأخلاقية والإنسانية، كشفت تلك اللحظات مجددًا عن صلابة أبناء المملكة العربية السعودية وتماسكهم، في ظل القيادة الحكيمة لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان، -حفظهما الله.
لقد باغت هذا الحدث الإجرامي الجميع، وفرض واقعًا استثنائيًا تطلّب سرعة الاستجابة وتكاتف الجهود لاحتواء الموقف، فيما كان الخوف والصدمة يُثقلان النفوس. ووسط تلك اللحظات العصيبة، حين كانت أجزاء من السقف مازالت تتساقط، والدخان يتصاعد، والنيران لم تخمد بعد، والزجاج المحطم يتناثر في أرجاء المكان، وصرخات الجرحى والمذعورين تتعالى، ظهرت مواقف تجاوز فيها الإنسان حدود مهمته المعتادة، ليجعل إنقاذ الآخرين أولويته.
«كانت البوابة الخارجية على بُعد خطوات، وكان يكفي بعضهم أن يتقدموا خطوة واحدة ليصبحوا في مأمن؛ لكنهم استداروا وعادوا إلى الداخل. لم يفكروا في سلامتهم بقدر ما انشغلوا بأرواح عالقة تنتظر من يفتح لها باب النجاة، مصداقًا لقوله تعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}». ومن بين تلك المواقف، تبرز قصة فيصل العنزي، الموظف في الشركة السعودية للخدمات الأرضية، الذي استوقفتني قصته بعدما أثنى عدد من الموظفين الذين عايشوا الأحداث على شجاعته وتفانيه؛ فحرصت على الاتصال به والاستماع إلى تفاصيل ما عاشه بنفسه.
عاد فيصل مسرعًا نحو موقع الحادث، مدفوعًا بإحساسه بالمسؤولية والنخوة، فوجد عددًا من الركاب الذين نزلوا للتو من إحدى الطائرات عالقين خلف باب مغلق داخل الجسر، فيما كان بعضهم يحاول الخروج عبر الزجاج المحطم، مما يهدد سلامتهم. فبادر إلى كسر الباب وإجلائهم إلى مكان آمن، دون أن يُصاب أحد منهم بأذى.
ثم توجّه إلى الصالة، حيث كانت المشاهد أشد قسوة؛ فوجد مصابين ينزفون، وكانت من بينهم عضوة في طاقم إحدى شركات الطيران وقد بُترت ساقاها، فخلع ربطة عنقه وربط بها موضع الإصابة للحد من النزيف، قبل نقلها إلى مكان آمن حوّله لاحقًا إلى موقع للإسعاف الميداني، كما حمل المضيفة ريهام، من طيران ناس، بعد إصابتها البالغة وفقدانها الوعي. وامتدت جهوده إلى مساعدة راكبة بُترت قدمها، وكانت برفقة زوجها وابنتها اللذين أصابهما الذهول وغلبهما الانهيار؛ فاستخدم حزامه لربط موضع النزيف، ثم نقلها على كرسي متحرك إلى منطقة الإخلاء تلك.
كما أخلى مصابين آخرين، لا تسعفه الذاكرة بتفاصيلهم؛ فقد كانت الحالات أكثر من أن يحصيها أحد، إذ لم يكن أمامه سوى إنسان ينزف، وآخر يمدّ يده طلبًا للنجاة.
هكذا تجلت شجاعة فيصل في أفعال ملموسة، وظل منشغلًا بإنقاذ الآخرين في تلك الدقائق المتسارعة حتى تخضّبت ملابسه بدمائهم، ولم ينتبه أن شظية زجاج استقرت في فخذه إلا بعد أن اطمأن إلى سلامة من أسهم في إخلائهم و انتهت لحظات الخطر المباشر، ليتم علاجه وخياطة جرحه لاحقاً.
وإذا كانت قصة فيصل تكشف عن شجاعة فرد بادر في قلب الخطر، فإن مواقف زملاء آخرين تؤكد أن روح المسؤولية امتدت إلى موظفين من جهات مختلفة، جمعهم الواجب في تلك اللحظات الاستثنائية.
ومن بين هؤلاء محماس القحطاني، الموظف في طيران أحد خطوطنا العملاقة حيث كانت الصالة تموج بالفوضى والدخان، كانت عدة طائرات متوقفة عند البوابات، وعلى متنها ركاب وأطقم ينتظرون إذن الإقلاع. أدرك محماس خطورة الموقف، فبادر إلى إخلائهم بانضباط وحسن تصرف، مستعينًا بخبرته في التعامل مع الظروف الاستثنائية. ولم يكتفِ بذلك، بل نسّق مع قسم الصيانة لسحب الطائرات بعيدًا عن البوابات نحو المواقف البعيدة، حمايةً لها من أي خطر إضافي، في وقت قياسي وظروف بالغة الدقة والصعوبة.
ففي لحظات الفزع، لا تقل قيمة من يحفظ النظام ويصون الأرواح بثباته عن قيمة من يحمل مصابًا بين ذراعيه؛ فكلاهما يحرس الحياة: أحدهما بيدين تنتشلان الجرحى من الخطر، والآخر بعقل يقظ يستبق المخاطر ويحدّ من آثارها، فيقي الأرواح والممتلكات.
كما سطّر سعد العتيبي وسلمان المطيري، الموظفان في طيران ناس، موقفًا إنسانيًا نبيلًا؛ إذ رافقا الفرق الطبية وأسهما في حمل المصابين وإخلائهم، يتنقلان بين جريح وآخر. وكان من بين من حملاهم زميلتهما المضيفة عزة، -رحمها الله-، التي لم تكن بالنسبة إليهما اسمًا في قائمة المصابين، بل وجهًا ألفاه في أيام العمل، وزميلةً تقاسما معها تفاصيل المهنة.
وما أثقل أن يحمل المرء بين يديه من كان يقاسمه تفاصيل يومه!
لم يكن في تلك اللحظات متّسع للبكاء أو الانهيار؛ فحملاها بأيدٍ ثابتة وقلوب مثقلة، يتنازعهما وجع الفقد وواجب اللحظة. ورحلت عزة شهيدة، أسكنها الله فسيح جناته، لتبقى ذكراها شاهدةً على أن هذا العدوان لم يستهدف منشأة فحسب، بل استهدف أرواحًا لها أسماء ووجوه، وزملاء يفتقدونها، وأهلًا لن يعود بيتهم كما كان.
ولم يقتصر دور سعد وسلمان على إخلاء المصابين، بل امتد إلى مواساة بعض المحتضرين وتلقينهم الشهادة في لحظاتهم الأخيرة؛ لتكون كلمة التوحيد آخر ما يسمعونه من هذه الدنيا، بصوت رحيم يعلو على أنين الوجع. في مشهد مهيب تجلّت فيه الرحمة والثبات أمام الألم والفقد.
ولم تغب المرأة السعودية عن مشهد البطولة؛ فقد أظهرت الزميلة عبير العجمي ثباتًا وشجاعة في الميدان، وأسهمت في توجيه الركاب نحو ممرات الخروج الآمنة. كما وثّقت الكاميرات موقف موظفة أخرى وهي تساعد أحد الركاب وسط تلك الظروف العصيبة، في مشهد يعكس شجاعة أبناء هذا الوطن وبناته واستعدادهم لتحمل المسؤولية حين تدعو الحاجة.
وفي مثل هذه الظروف الاستثنائية، لا يمكن حصر البطولة في أسماء بعينها؛ فالأسماء الواردة هنا أمثلة على مواقف إنسانية تستحق أن تُروى، وليست حصرًا لكل من أسهم في الإنقاذ، فكل من ثبت في الميدان وبادر إلى أداء واجبه، من الموظفين أو الركاب، يستحق التقدير والدعاء والإشادة بموقفه. فالبطولة في جوهرها موقف إنساني يظهر فيه معدن الإنسان حين تحين لحظة الاختبار.
ومن هنا، فإن توثيق هذه الشهادات ومراجعة تسجيلات كاميرات المطار، متى سمحت الظروف والإجراءات بذلك، يمثلان خطوة مهمة للتعرّف إلى مزيد من المواقف التي تستحق التوثيق، وتقدير أصحابها بما يليق بما قدّموه.
فشكرًا لكل يد امتدت بالعون في ذلك الوقت العصيب، من العاملين في مختلف مواقعهم إلى الركاب الذين واجهوا الموقف بشجاعة وإنسانية. إن توثيق هذه المواقف وتقدير أصحابها يرسّخان قيمة العطاء حين يتجاوز حدود المهام المعتادة، وتصبح حياة الإنسان أمانة تستدعي المبادرة والتضحية.
هؤلاء هم أبناء هذه الأرض وبناتها؛ حين اشتدّ الخطر لم يبحثوا عن طريق النجاة لأنفسهم، بل عن طريقٍ ينجو منه غيرهم.
نسأل الله أن يتغمد شهداءنا بواسع رحمته، وأن يمنّ على المصابين بالشفاء العاجل، وأن يحفظ بلادنا، المملكة العربية السعودية، وقيادتها وشعبها من كل سوء، وأن يديم عليها نعمة الأمن والاستقرار.
كما نسأله سبحانه أن يجتث عصابات الحوثي المجرمة ومن يناصرها ويدعم عدوانها، وأن يرد كيد المعتدين في نحورهم.
** **
عبدالله الفهد - مشرف خدمة عملاء - طيران ناس
@aalfd3ani