Culture Magazine Monday  05/11/2007 G Issue 221
مراجعات
الأثنين 25 ,شوال 1428   العدد  221
 

استراحة داخل صومعة الفكر
الأجساد تسقط في البنفسج
سعد البواردي

 

 

112 صفحة من القطع المتوسط

حسناً اختار شاعرنا أين تسقط الأجساد.. حيث الروائح الزكية التي نبحث عنها في عالم تتساقط فيه الأجساد وتهوي في حفر الموت.. ومستنقعات الجريمة، وزوايا الجوع، والجهل والمرض..

البنفسج عطر نتوق إليه بعد أن أزكمتنا روائح الشعراء المقهورين وهي تحترق على نار الاستعمار، والاستعباد، والقهر.. فهل نشتمه بين ثنايا قصيدة.. أم أن روائح أخرى سوف تزكم أنوفنا وتصيبنا بأنفلونزا البشر القاتلة؟

البداية اختار الهذيان فاتحة لشعره..

سلاما للفوانيس التي اشتعلت

على خجل تدل القادمين

على دروب الفتح، والأسلاف

الاشتعال يا صديقي لا يأتي على خجل.. إنه قمة التوهج والإبهار.. قل عنه على عَجَل.. أو على أمل.. إنه الأقرب لوصف الحالة.. يمضي في فاتحة هذيانه يقايض ما تبقى من ممالكه كي يحاكي الهلال في وسامته.. والهلال لا وسامة فيه.. إنه البرد المكتمل الذي يستحق صفة الوسامة والاكتمال:

يقول.. وقد ملأه الزهو:

سلاماً للخيول الريح معقود بجبهتها

دمغة الشركات تلمع في نواصيها

يبدو أن شاعرنا يأسره مشهد الجياد وهي تذرع ساحة السباق كي تفوز بجائزة السبق هذا ما يمكن استخلاصه من دمغة الشركات في ربط مازلت أبحث له عن مناسبة مقنعة.. وعن ربطه يوحي بأن الهذيان الشعري يمسك بناصية الفكرة حتى ولو جاءت مجتزأة..

أدع هذيانه بحثا عما يشبع الغليل والظمأ.. وأرقبه وهو يرتب فوضى شجيراته:

هناك كان أبي يُطعم الليل والأرق المتكبر

بعض رغيف السهر

في الظلام يقرب نجمته في إناء الحنين

يعاشرها خلسة عندما تتلمس

لون الخراب على ضغينة..

أكاد أقول وجدتها كما قال أرخميدس.. هذه المرة تجاوز بنا مرحلة الهذيان إلى رحلة التوصيف الشعري بأدواته وأدبياته.. وهو يرقب أباه يقدم طبق السهر لفم الليل حتى لا تختفي نجمته التي يرقبها في حنين.. ليته توقف عند هذا الحد من التصور وأراح نفسه من معاشرة نجمته وهي تتلمس لون الخراب على ضفتي حنين الظلام أو ظلام الحنين.. لا فرق.. ماذا عن الشجيرات؟

يخاطب والده:

أنتَ علمتني أن أرتب فوضى الشجيرات

أدعو الربيع إلى الحضرة القروية

وتبدو الصورة أكثر إشراقاً وقد اعتمر بجلال الموقف وبأغنية واحدة إيقاعها يقول

ليس لي أحد يا أبي..

فلمن سوف أفتح صدري يقاسمني الشاي

بعد الظهيرة..

يوقظني للنداء المقدس في الفجر

والحلم مشتبك في غصون النعاس

ليس لي غير وجهك من سماوات السكينة

في جنح الليل يشرق، والعالمين نيام نيام

إحساس بالوحشة وبالوحدة.. هكذا بدت كلماته موجعة ترسم غربة من غاب عنه الأب وهو في أمس الحاجة إليه.. وبات يتخيله والناس من حوله في سبات مطبق..

(الأجساد تسقط في البنفسج) حيث عنوان الديوان.. بعض مقاطع لبعض صور متقاطعة مجللة بضباب الرؤية: خذ مثلا:

مطر يهيئني، يضاجع ساعة في السر صلصال القصيدة..

الرمزية هنا مغرقة في غموضها إلى درجة استعصاء الفهم عن حل طلاسمها.. ولنأخذ مثلا:

شهوة خضراء تقتحم الطفولة

كلما اقتربت طيور الليل من سقف الجنون

هنا تبدو الملامح أكثر قرباً إلى تصور الرؤية الشعرية من سابقتها.. وإن كنت لا أميل إلى تكوين الشهوة وصبغها بمداد الأخضر أو الأحمر أو الأصفر.. الشهوة طاقة غريزية جسدية كيماوية لجميع الكائنات الحية لا علاقة لها بطيور الليل ولا بسقف الجنون.. لها لونها ولها خصوصيتها..

يا من تغني قل لهم من أنت

كيف تدور في فلك المدائح والغبار

تكاد تفتك بالمسافة قبل أن تصل البلاد

المقطع الثالث والأخير من عنوان ديوان (الأجساد تسقط على البنفسج).. تساقطت أوراق ذاكرتي بيضاء لم يمسسها سوء ولا فهم.. فما عرفت المعني.. ولا المعنى.. وما درت معه في فلكه خشية الفتك بمساحة الرحلة.. لوحة تملؤها خطوط متقاطعة كبعض لوحات بيكاسو ربما تضمر شيئا.. وربما تشير إلى ما لا أعرف.. يا عزيزي إبراهيم الشاعر لا يشعر لنفسه وإنما لغيره فأحسن إلى ذلك الغير يسهل العبارة كي يفهم.. الرمزية بفوضاها غير قادرة للتصدير.. ,لا للتصدر في أذهان المتلقين..

(الأربعون) كانت الأجمل.. قرأتها.. فهمتها.. وأحببتها كما يحب ابن الأربعين صغيره الرابع..

عندما دق مسمارُه المتآكل نعش الصبا

قال ما أجمل الحب في الأربعين

هكذا يكتب الشعراء خساراتهم..

الأربعون من العمر أشدّ العمر.. وأكثر إحساساً بالحياة.. تجاوز الصبا والصبوة نحو ذروة القوة فلماذا الخسارة..؟ لم تكن مرحلة نهاية مطاف.. وإنما مرحلة قطاع جني يستمتع بها العقل.. والجسد معا.. الشعر تكتمل له أجنحة التحليق.. والفكر في منتصف العمر يبلغ أشده قوة متى أخرج من قمقمه.. الشعراء لا يكتبون خساراتهم إلا إذا كانوا يكذبون في مشاعرهم.

(التلاميذ) أبيات موحية بفكرتها المقتضبة.. بضع أبيات معبرة تغني عن قصيدة ثرثرة مكررة:

لماذا التلاميذ لا يخرجون من البيت

إلا وهم عابسون

........

من اللص يسرق أفراحهم..

الفراغ الذي تملؤه النقطة يشير إلى مفردة واحدة (الخوف)، (الخشية) و(الحذر)

الجياع أيضا لهم حكاية:

يجوع الجياع علانية

يحجب الظل أسماؤهم

من هو المستبد الذي يتحكم في خبزه؟!

الجوع يا شاعرنا لا يحجبه السر ولا الستار، ولا الظل إنه مرسوم بشحوبه وندوبه على ملامح الجياع وهي تتحرك كالأشباح العارية تبحث عن رغيف من ذلك المتخمر المغمض العينين كي لا يرى، لا يسمع، ولا يتكلم.. إنه المستبد..

وفي مقطوعته " الساعة يأتي البحر يرسم صورة لها ظلال الشكوى الرمادية، إنه يشعر بتيه فرضته عليه ظروف الواقع المر.

ليس لي إلا الميادين فضاء

يا أبي لم أتعلم منك سر الرفض

زرع الريح في قمصاننا

لا يستحم الفجر إلا من خليج الصمت

ومن طول انتظاره المر ينتظر الساعة ويتطلع في لهفة إلى البحر:

الساعة يأتي البحر من نزهته

يرجمه الأطفال ببعض الحلوى، وبعض الغيم

ربما كي يمطر ماء عذب المذاق يبل منه عطشه العربي التائه في سراديب الخطاب الأممي:

يا بنت قفي كي أقرأ التاريخ

مكتوباً بحرف أعجمي..

إلا أن الهاربة من وحشتها أبقت الباب مفتوحاً على مصراعيه بعد أن تحولت روحها الربيعية إلى مدفأة تخفف من لسع خريفه..

القصيدة تطرح في داخلها أكثر من سؤال يعتمر في ذهنه المرهق بقراءة التاريخ الذي لا يقرأ..

ومن الماء إلى الشوارع المغمورة بهاجس الحنين..

الشوارع مأوى المجانين والشعراء..

الشوارع وجه المدينة

قلب القرى.. وابتداء السطر

الشوارع بترابها العطشى.. ووحشة مسالكها..ووحدة سالكها وهو يتحرك بين الأضرحة وبقايا الشجر أعطى لها الوصف الذي تستحقه، إنها أشبه بالكائنات.

ترابط بالعين مثل الصور..

أعبر مع شاعرنا الدرب الذي رسمه.. متجاوزاً (العابرون) و (الكلام الذي) إلى محطته الشعرية النثرية الفنية (المزمل بالوحشة) كحصان أتى من جبهات القتال:

تأملت فيك.. سألتك كيف تكون القصيدة

بحراً وحبراً؟!

تساؤله لم يكن أبدا عن جهل.. وإنما رغبة في مشاركة صوت قد يأتي وقد لا يأتي يخفف عن ذهنه ثقل حمله (ولما لم يجد) رفع عقيرته بالصوت التاسع كالسوط اللاسع..

أجبني إذا ما الطريق احتمى بيديك

وجئت على فرس الريح مثل الغزاة

أجب يا صديقي المزمل بالوحشة الساحلية

ومتدثر أيضاً بوحشة الحب وأهزوجة العشق وهي تتدحرج كالتفاحة بين حلوق الرعاة.. قالها كحكيم عشق ومعلم حب..

رغم أن صفحات الديوان تتجاوز المائة بقليل فإن قصائده تقترب من الثلاثين وهذا ما لا يسمح الحيز المتاح للاستراحة تناوله رغم أن فيه الكثير من جماليات الصور المترعة بعذوبة الخيال وعذاباته..

ماذا قال عن نفسه عندما كان طالباً في الثانوية العامة؟! وصف نفسه بالهدوء كهدوء الرمال من حوله.. يقرأ.. بل يتحرك في شارعه المتخم بالتراث.. بالأدب العربي.. قال عن نفسه:

يتأبط شعر الصعاليك

والمتنبي يرافقه أرض مصر

استغرقه ذلك التاريخ بإسقاطاته وإحباطاته.. شكلت في دواخله حرائق لسع فكره عندما كان طالباً في الثانوية تستغرقه كل مخيلات الحركة التاريخية الضائعة للوعي الوجداني الإنساني.. وأمام الكهف التاريخي الذي مر به استرخى تحت ظله وراح يتمتم:

أيها الظل يا قابعاً في الكهوف

كيف تعادي البراري المطر؟!

وتغادر هذي القصيدة أوزانها؟!

تساؤله مليء بالحيرة والحسرة وعلامة استفهام تبحث عن جواب.. هذا عندما كان شاعرنا إبراهيم زولي طالباً في الثانوية.

في مقطوعته الجميلة (عبر رمل الطريق) قدم لنا حكاية طفل شقي يسكن في الحي في الليل له شغب مع أحلامه.. الأزقة مكانه ومداه.. لا يبرحها إلا مع إطلالة الفجر بعد أن يرهقه الضجر ويستريح من عناء السهر.

يلون شارعه من ندى الكلمات

النجوم يبعثرها في المساء

ويفر إلى بيته هارباً من غبار الطريق

الذي كان يعلق في ثوبه

ويتورم داء النسيان في رأسه.. وتشيخ الذكريات داخل نفسه بعد أن واجهته الحياة بمتاعبها ومصاعبها ومصائبها.

لم يعد يتذكر ذاك الفتى

غير رمل الطريق الذي كان في ثوبه عالقاً

هو ذا يتكسر خلف الرغيف

يحيك قميص البلاهة في الليل

فيما الملامح تخرج عارية باتجاه الفناء.

هكذا تأتي النهايات.. خريف يلوي عنق ربيع.. وتفجر يعقبه تصحر وجفاف.. وفي مقطوعته قبل الأخيرة يرسم لنا اللوحة بمداد قلمه..

بالطباشير يرسم طائرة وسماء رمادية

فتية يلعبون.. دخان كثيف يشق المدى

كان يسمع صوت الرصاص قريباً من الصفحة الورقية

وهو يحاول جاهداً رسم صورة أعدائه..

الرسم بالطباشير لطائرة.. أو صورة لا تجدي أمام مواجهة أدواتها تغتال وتقتل.. الحديد لا يفل إلا الحديد.. رسم الكلمات يحترق أمام عود ثقاب مشتعل.. وأخيراً مع شاعرنا حيث اختار أن يجلس وحده منفرداً..

حول قلبي سلاسل من فضة

يتلصص تحت الشبابيك وجه له رعشة الخوف

هل أنه سارق قلب.. ولص حب؟! فتح الباب مستطلعاً الأمر.. المشهد سرابي..

ما اسم هذا الذي سوف يأتي على غرة؟

ضرب أخماساً بأسداس.. عقد الخنصر والبنصر دون أن يستدل على شيء قرأ ما تيسر كي تطمئن روحه وكي لا يفزع الطير فوق أيكه.

الرصيف المقابل لدارته غافٍ.. بيوت المدينة نائمة.. المفاتيح في سرة بابه في مكانها.. لعله كان ينتظر.. بل كان يتمنى أن يلج بوابة سكنه وقلبه أحد.. ولكن لا أحد.. كل شيء يغط في سباته حتى قصيدته فوق أريكته في رمقها الأخير.. حتى الكأس نصف المملوء.. مازال النصف فارغاً.. هل هو انتظار طيف جميل.. أم ضيف أجمل يشاركه حياته في نقاء وبقاء وطهر.. خيال شاعر رحب أخذنا معه في رحلة صعبة المراس.. تهيبنا بداياتها خشية ضباب الرؤية.. إلا أن صحوها الجميل أزال هاجس الخشية.. وأسلمنا إلى ضوء ممتع وجميل.. وإلى خواطر شعرية مقتضبة في أبياتها غنية في إيحاءاتها.

شاعر (صمد) في مواجهته للتجربة الشعورية.. كان موفقاً.. وإن كنت أتمنى لو أن لغة طرحه كانت أكثر وضوحاً.. وإن كان هذا لا يعيبها فنياً.. وإنما يشكل عائقاً لدى المتلقي الذي تستعصي عليه رمزية الفكر.. وبالتالي (الخروج من المولد بلا حمص).

الرياض: ص.ب 231185 الرمز 11321 فاكس 2053338


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة